نخب “الطابور الخامس” تروج لأجندة “ماما إسرائيل”.. (صفقة القرن أنموذجا)!!

يبدو أنك في الفضاء الافتراضوي الأزرق؛ يمكن أن تتحول إلى أحد عناصر “الطابور الخامس” من دون أن تدرك ذلك. فهذه هى الأسلوبية التقانية التي أنجزها باحترافية عالية عقل العمل في مجالات التواصل الاجتماعوي المشهورة بـ “السوشيال ميديا” راهنا.

فالوقوع في براثن هذا التوصيف “الطابور الخامس” سهل وميسور؛ إذا لم تدرك مخاطر النيران التي تلعب بها؛ على سبيل اللهو؛ أو الشعور الزائف بأنك تعرف ما لا يعرفه الآخرون؛ أو أيضا يعرفونه وأنت تشاركهم معرفته.

إنها لعبة حمقاء؛ يشارك فيها الكثيرون؛ ويستوي في ذلك العديد الشعبوي بذهنويته الببغائوية؛ التي تعيد من دون تفكر أو حذر تكرار ما تستمع إليه؛ وكذلك وهذا هو المؤسف مساحة عريضة من النخب؛ المفترض أن تكون قوية الأدوات؛ وهي تخوض ساحات استصناع الرأي العام؛ والذي تحاول التحكم في توجهاته.
*****
الجهد التفكيكوي الراصد لهذا الفضاء الافتراضوي؛ يضع يده على نماذج بينة من السقوط الفكروي؛ للعديد من تلك الأنماط النخبوية؛ والتي يفترض أن تكون واضعة اليد على مساحة لا بأس بها من مهارات الاطلاع؛ والتحليل والتقويم؛ والانتماء أو التبني لما يفترض أن يكون صوابا؛ أو أقرب إلى الصواب من المعلومات؛ أو الرسائل المعلوماتية التي يمور بها ذلك الفضاء.

الظاهرة المؤسفة أن نخبا تعد في مواقع توصيف الصفوة الأكاديموية؛ والإعلاموية والقانونوية؛ غير أنها تندرج في إطار التوصيف الشعبوي؛ حين التعامل مع ما يتم تمريره في ذلك الفضاء؛ بكل مخادعاته السياسوية؛ وتعبيراته المراوغة. فالشعبوي الذهنوية لا يجتهد؛ ولا يمتلك مهارة التشكك للوصول إلى الصواب أو اليقين.

أما المندرج في إطار مسمى النخبة؛ وينزع عنه باختياره غطاءه المنهجي؛ ليتحول إلى ناقل الإشاعات؛ ومروج السيناريوهات الخادمة لصراعات وقوى وجماعات ودول مغايرة؛ فهو يمثل ظاهرة حضور مترد لهذه النخب؛ مهما كانت مواقفها السياسوية مع أو ضد؛ أو لها مشروعها الانتمائوي الخاص.
*****
إن ما يجري الترويج إليه تحت مسمى (صفقة القرن)؛ لخير دليل يثبت هذه المسلكوية الشعبوية لتلك النخب؛ وفقدانها الحقيقي لآليات التعاطي الاحترافوي للعمل السياسوي. وهذه الموضوعة؛ فاضحة للعديد من النخب التي ترتدي أقنعة مختلفة ـ نتحفظ عن التعرض للأسماء عند التحديد – إذ تشهر تلك النخب ذلك في مجمل تدويناتها عبر الفضاء الافتراضوي؛ في التوقيت الذي لا ينبغي أن يغيب عنها حجم التحديات الهائلة؛ التي تواجهها الدولة المصرية ونظامها الحاكم راهنا.

والمؤسف أن تلك النخب تستخدم تقانة الــ( copy ـ paste) فيما تروج له من تدوينات؛ ويصيبها العمى الأيديولوجي؛ والهياج العاطفوي عن إدراك المخاطر والتأثيرات السلبوية لما تقوم بتناقله. بل في مواقف كثيرة لا تتداخل نقدا ونقضا لما تقوم بترويجه عبر تقانة (share).

** هل تفكرت هذه النخب العشواءوية في المحمول المضمر الكامن بمتون ما تقوم بترويجه؟!

** هل أدركت هذه النخب مخاطر ما تساهم به بدورها في قولبة التلقي الشعبوي عبر ذلك المنقول السياسوي؛ فيتحول الرصيد الشعبوي المرغوب في إعادة تدجينه إلى واقع مفتقد لطاقة الرفض والمقاومة؟

** هل أبرزت هذه النخب قدراتها العقلوية في تفكيك الرسائل المحمولة؛ عبر ما تقوم بترويجه؛ لإثبات صلاحيته أو فساده؛ حماية للعقل والوجدان الشعبوي من خضوعه للصياغة الفاسدة.
*****
وإذا انتقلنا إلى كيفية تعاطي النخب مع موضوعة ما تسمى (صفقة القرن)؛ فإن جهد التفكيك يثبت سقوط أغلبية تلك النخب في آداء دورها الوطنوي؛ بل فسادها السياسوي؛ مهما كان موقفها متعارضا مع النظام الراهن في الدولة المصرية؛ أو كان واقفا في مربع المعارضة الشكلانية.

*** تقوم هذه النخب في إطار تلك الموضوعة؛ بالاعتماد على ما يسمى “الدعاية السوداء”؛ والمتخمة بها فضاءات التواصل الإعلاموي والاجتماعوي. وتسلم ذهنيتها بالمطلق لكل ما تحمله من مخادعات؛ أو ترسمه من سيناريوهات؛ أو تمهد له من تصورات.

*** لا تفعل هذه النخب ـ من التفعيل ـ مهارات المساءلة لما تتناقله؛ وتتناسى مناهج التيقن من مصداقية المحمول المعلوماتي في تلك المتون التي تتناقلها بسلبوية مطلقة؛ إرتكانا إلى قاعدة ما يقال فقهويا بأن “ناقل الكفر ليس بكافر”!

*** وبذلك تسقط هذه النخب؛ في أفخاخ تحولها إلى مربع “الطابور الخامس” الذي يحمل توصيف “العمالة الداخلية” لخصم وعدو خارجي؛ يستهدف الوطن والدولة بمحاولات الاختراق؛ وإضعاف بل إهلاك المناعة الداخلية.

*** إن “المحايدة” التي تبدو ظاهراتيا في طبيعة الخطاب النخبوي؛ وهو يروج لرسائل الخصوم للوطن والدولة؛ لا تخرج النخبة حسب ظنونها من توصيف اعتبارها من “الطابور الخامس” وفق المحددات السياسوية للاصطلاح نفسه. إذ أن أدبيات العلم السياسوي؛ تعتبر “المحايدة” تواطؤا مع منتج الخطاب المنقول والمروج له؛ لأنه يعتبر الناقل والمروج من “الأصدقاء” الافتراضويين الجاري توظيفهم ضمن كوادر حروب الجيلين الخامس والسادس؛ أي بالمعنى القيمي هم يعتبرون من “فئة العملاء”!
*****
وبتطبيق هذه الأحكام المفاهيمية على موضوعة (صفقة القرن)؛ تكتشف أن كثيرا من النخب تهتم بتناقل ما يبثه “الإعلام الصهيونوي الإسرائيليوي” بحذافيره من تسريبات مقصودة؛ وهي في حقيقتها… ليست تسريبات؛ قدر ما هي تجهيز البنية العقلوية العربية؛ للتكيف مع مستهدفات وتصورات وسيناريوهات حركة العدو الصهيوني؛ ورعاته وأصدقائه؛ وأجهزته وطابوره الخامس.

فقد اعتمدت الكثير من النخب العربية على متن ما نشرته صحيفة “إسرائيل اليوم” بادعائها:”أنها نص وثيقة متداولة في وزارة الخارجية الإسرائيلية، حول عناصر خطة “صفقة القرن” الأميركية للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين”. على الرغم من (عدم تأكيد أية جهة أميركية أو إسرائيلية أو فلسطينية رسمية ، ما ورد في متن هذه الوثيقة).
*****
وبعيدا عن الدخول في تفاصيل السيناريو المروج له بكثافة مشتبه بها؛ عبر القنوات التلفازية المتأخونة(الجزيرة أنموذجا)؛ وصفحات التواصل الاجتماعوي”فيس بوك وتويتر”؛ فإن قياس رد الفعل المسلكي لدى التلقي الشعبوي؛ يثبت رد الفعل الهادئ تجاه هذه التمريرات؛ أي أن المجموع الشعبوي منخلع من الاهتمام بالقضية!

وإذا كانت قنوات (الجزيرة) قد لعبت ولا تزال تلعب دورها المدروس؛ في تجريف شعور الغضب الوطني من جمهور المتلقين؛ وهو يتعرض لجرعات مقننة من مشاهدة “الطلعة البهية” لعناصر الكيان الصهيوني تدخل كل البيوت؛ وتمرر ما تريد تمريره؛ فإنها – تلك القناة- تمارس الدور نفسه راهنا؛ بالحديث المكثف حول ما تسمى (صفقة القرن)؛ بكل تفصيلاتها؛ والأطراف المروج لاشتراكها.

إن هذه القناة التي تعد صوتا لـ “الجماعة الماسونية البنائية المتأخونة”؛ تمهد الأرضية لما تطمح إليه تلك الجماعة؛ في إطار ترسيخ الوجود الفاعل للدولة الصهيونية في المنطقة. لتحقيق التحول الموضوعي في الصراع من اقتصادوي ثقافوي إلى صراع عقدوي مستقبلا بين العقيدتين على أمل إنجاز متوهم دولة الخلافة وسيادتها للعالم.

ويأتي أيضا في إطار الحسابات ذلك العداء الأسود للدولة المصرية وجيشها العظيم؛ لذلك تواصل تلك القناة بث أكاذيبها حول متوهم الدور المصري في تحقيق هذه الخطوة بمنح مساحة مستأجرة من سيناء لإقامة “فلسطين البديلة”!!.

وعلى الرغم من صدور أميركيا؛ ما ينفي وجود أية حسابات مصرية مؤيدة لهذه الصفعة؛ فإن الإعلام والكوادر المتأخونة لا تتوقف عن الإصرار المشبوه في الشرح التفصيلي لهذه العملية.

وتأتي النخب المختلفة بالتبعية؛ لتبتلع الطعم المسموم؛ وتقوم بنقل ما يجري ترويجه( copy ـ paste )؛ من دون القيام بأية عملية نقضية لذلك. والنماذج كثيرة ومؤسفة في صفحات العديد من هذه النخب؛ والتي تعرف بنفسها استحالة تفريط جند مصر في أية حبة رمل واحدة من سيناء.
*****
إن النخب المروجة لما يسمى (صفقة القرن) ستحمل بالعار لقب “عملاء الطابور الخامس الصهيوني”؛ حتى وإن ظهرت هادئة الانفعال والمسلك؛ لأنها تردد؛ وتروج خطاب ما يقال باللهجة الشعبوية طموحات أجندة “ماما إسرائيل”!!
رأفت السويركي