رؤية تأملية في دعاوى الإفطار العلني في رمضان

الإفطار العلني في رمضان هل هو استفزاز لمشاعر المسلمين ؟ أم اعتداء على ركن ركين من أركان الإسلام وأعمدته السميكة؟ أم هو حرية فردية وقناعة أفراد لا يرون في الصيام فريضة وعمادا من أعمدة الإسلام ؟

بداية لا تطربني تلك الأصوات المتعالية التي تتزاحم على شن هجوم جماعي على أفراد يؤمنون بما لا يؤمن به السواد الأعظم من المسلمين ، هؤلاء الذين يواصلون عملية تثريت الدين وتعليبه كما لو كان تحفة نادرة لا يجوز المساس بها ، حتى لا تحل لعنة السماء التي منها انحدر كل هذا الإعتقاد الراسخ المتوارث عبر أجيال…

إن مفهوم الدين يعلو على كل مناداة طائفية أو مذهبية أو إيديولوجية أو مدرسية سكولاستيكية ، لأنه ؛ قبل تقعيد الصلاة بمفهومها الطقوسي التعبدي ، وقبل فرض الصيام كما كانت تفعل الأمم السابقة عن ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وإلغاء الشوائب التي كانت عالقة بالحج من صنمية وعبودية للأوثان ، وتطهير تلك البقعة وجعلها قبلة للمسلمين ؛ كان الدين حاجة بشرية منذ أقدم الأزمان ، مما جعل تتابع وتلاقح وتثاقف الأمم والأقوام يتيح لكل أمة أن تنتهج لنفسها دينا ناسوتيا أو لاهوتيا، فكان آخرها تطوير وتثوير البيئة العربية على يد نبيها العربي محمد بن عبد الله ( ص ) ليصنع منها أمة ذات كتاب تضاهي أهل الكتاب طرا في صناعة حضارة النص المقدس فيما بعد.

وحتى لا يغوص بنا انسياب المكتوب عن هدف المقال ونتوه في تضاعيف تاريخ الإسلام ، دعونا نبقى مع قاعدة ” الأصل في الشيء الإباحة” كما يقول الفقهاء أنفسهم ، وأن متع الحياة تحض الناس على مقاومة ضغوط الجماعة والتحلل من كل طقوسية موروثة ، فترى في الصيام ؛ بهذا الشكل النمطي الممسك عن الطعام والشراب والجنس ؛ مجرد تكرار لما دأبت عليه الأمة ، فتأتي ؛ في ظل تنافس إمكانات جديدة ذات نفس إنسي إنسانوي ؛ دعوات للخروج عن المألوف والتعبير عن الرفض : رفض النمطية والطقوسية والزهد والدروشة..الخ

إن الحركة العلمانية في بيئتنا المغربية والعربية على نطاق أوسع تمتح من التراث الإنساني المتقدم نحو رحابة أوسع تجعل الإختلاف قاعدة أساسية تتعارض مع كل دعاوى وفتاوى متقادمة تتكىء على التراث والسلف وما قعده العقل الإسلامي منذ وضع مدونة فقهية كما لو كانت وحيا يوحى !!

إن الإفطار العلني في رمضان حتى لو تم تبنيه كمطلب أقلوي ، فإنه لن يقضي على ركائز الإسلام ، بل سيغنيها لما نعتقده من أن إحدى تلك الركائز ليست هي الحفاظ على ظاهرية الصيام ووحدة وجوده ؛ في حين أن ما خفي كان أعظم ؛ بل في جعل فكرة التعايش قائمة وركيزة ثابتة على قاعدة ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )..

إن القبول بالإختلاف ، والتعايش بين فلسفة الإيمان وفلسفة الشك واللايقين واللاادرية والرافضة ، لهو منزع تثويري يغني حضارة أمة مفتوحة على الشيء ونقيضه في جدلية متوالية تنبثق منها ثقافة متدافعة مع قيم الماضي ، مما ينتج عنه غنى التجربة وتأصيلها لما يتمخض عنه ذلك التدافع والتجادل العلمي والفلسفي من أجواء رحبة لتفعيل دور الحرية في آفاقها المتعددة والمفتوحة على الإمكان ، لا منغلقة عند دوغمائية : ” ليس بالإمكان أبدع مما كان “..

إن التعصب وبروز العنف سبيلا للتدخل لإيقاف كل منزع ينزاح عن طقوسية الجماعة ، هو جبن وخوف من كل ما يستجد وما يستولد من واقع مترنح بين وضع جامد عقلا وروحا وهو الذي تحبذه السلطة للبقاء على النظام ، وبين وضع ثوري يبعث فضيلة النقد من رماد المقدس الذي تستند إليه كل سلطة زمنية أو فقهية..
بقلم : محمد علي لعموري