السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟

الساحة الإسلامية أحوج ما تكون إلى مناقشة تصوراتها عن الصحوة الإسلامية في ظل الواقع الذي تعيشه الشعوب والأزمات التي تواجهها. وكذلك طرق التغيير ونموذج النهضة المنشودة أكثر من أي وقت مضى لعدة عوامل داخلية وخارجية. فقد غلبت العموميات والتصورات التاريخية عند طائفة كبيرة من الشباب المتدين وعلى رأسهم العديد من قيادات الحركات والتنظيمات الإسلامية.

ومن جهة أخرى طغت الإعتبارات العملية (البراغماتية) على رؤى وممارسات العديد من الجماعات الإسلامية وبالأخص ذات النفس النجدي الوهابي (نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ) أو مااصطلح على تسميتها بالسلفية الجهادية لما تحمل من أدبيات ترتكز على مسائل الكفر والإيمان والحاكمية والولاء والبراء بشكل كبير ورئيسي.! وبما أني خالطت وعايشت هذه الطائفة من الناس لسنوات من عمري تخللها الكثير من المواقف والطرائف والمحطات التي ينبغي للعاقل والناقل أن يقف عندها بتجرد لمراجعة وتأمل مسار هذه الفئة من الحركات وتسليط الضوء على أهم إنجازاتها.! وكذلك ينبغي ويجب النظر في رؤى وأفكار سائر الحركات والتجارب الإسلامية وإستخلاص العبرة والعظة منها بغض النظر عن قبولنا لهامن عدمه…
قال الله تعالى {قل سيروا في الأرض ثم أنظروا كيف كان عاقبة المكذبين -١٢ الأنعام } قال الإمام أبو محمد بن عطية الأندلسي رحمه الله. الىية حض على الإعتبار بآثار من مضى. ومعنى الآية سيروا وتلقوا ممن سار لأن تحصيل العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين .إ ه المحرر الوجيز

ولايفوتني هنا أن أشكر مجلس أمناء الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين على دعوتهم للحركات والجماعات الإسلامية للمراجعة والتصحيح للتجارب والأفكار في بيانهم الختامي بتركيا- إسطنبول. والدعوى هنا إلى المراجعة والتصحيح والتأمل لا تعني بالضرورة التراجع ولا النقض. وكذلك لاتبرزها عقلية الإنكسار ولا أوهام الإستكبار.! بل هي واجب شرعي متعين على قادة التغير ويقترن تماما بمهمة يتحمل مسؤوليتها من يرفع شعار هذا الدين لعظم الأمانة التي يحملها حين يتحدث بلسان المرجعية الإسلامية ويتحرك تحت مظلتها. ولا عبرة ولا إلتفات لمن يرفع صوته متشنجا قائلا بضرورة الكتمان والسرية لكي لايصطاد أعداء المسلمين عيوبهم.! هذا باطل لعدة أسباب الامر الأول. إن اعداء المسلمين عموما ليسوا بطالين مثل كثير من إخواننا ينتظرون المعلومة من هنا او هناك. بل لديهم مراكز بحث ودراسات إستراتيجية وتكتيكية في كل مشكلة او نازلة واجهتهم. باستثناء عملائهم المندسين بين صفوفنا إلا من رحم الله…

الأمر الثاني: الهدف بالدرجة الأولى هم أولائك البعيدين خارج أسوار الجماعات والتنظيمات. الذين يصور لهم المجاهد (حامل السلاح ) أسطورة أخلاقية ومخلص البشرية من الرق والعبودية.! وتوصف لهم الجماعة السلفية (الجهادية ) بصورة ملائكية تفوق الخيال في التضحية والإيثار.! ثم هي بمثابة شهادة على “واقع ” راح ضحيته الكثير من الناس ولو قدر قضاءا مستقلا لوجب محاسبة من أجرموا في حق المسلمين. ولاشك سيأتي ذلك ولو بعد حين… قال د. عبد الله النفيسي ؛ [ثم لنكن أوضح ونقول أن الدين أمر رباني لا نقبل نقده والحركة الإسلامية (ممثلة بالتنظيمات والأحزاب الإسلامية ) جهد بشري محض معرض للخطأ والصواب وبالتالي من الواجب تصحيحه وتصويبه وتقويمه وليس أمر عمر إبن الخطاب رضي الله عنه عنا ببعيد حين قال له المسلمون الأوائل: والله لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بحد السيف. فما كان منه إلا أن قال: لاخير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها.

ولا أعتقد أن زعماء الحركة الإسلامية ينبغي أن تضيق صدورهم إذا عاملناهم كما عامل المسلمون الأوائل عمر إبن الخطاب رضي الله عنه. مع الملاحظة أننا لم نشهر سيفا ولم نهدد به. بل هو القلم والرأي والحجة نعلنها تحت الشمس وأمام الناس فإن أصبنا فنسأل العزيز القدير أن يجعلها في ميزاننا يوم نلقاه وإن أخطأنا فنسأله أن يهدينا لأقرب من هذا رشدا. فالأمر أولا وآخرا له وحده لا شريك له. فهذا التداخل الخطير الحاصل اليوم بين الدين و”التنظيم الإسلامي”لابد له من حسم؛ فلقد تضرر الدين منه ولقد تضرر “التنظيم الإسلامي” منه أما ضرر الدين منه فقد جاء من تحميله كل أخطاء وتخبطات أفراد التنظيم، وأما ضرر التنظيم منه فقد جاء من هذا السياج الأدبي والمهابة الدينية وممارسة العصمة (مع نقدها في الكراسات
الحزبية ) وبيعة الطاعة في المنشط والمكره. كل ذلك جعل التنظيم “وهو جهد بشري محض معرض للخطأ والصواب” جزءا من الدين بحيث إختلط الأمر على الكثير فلا عدنا نعرف أين يبدأ التنظيم وأين ينتهي وأين يبدأ الدين وأين ينتهي. فكانت المغالطة. مثلما أن الدين لا نقبل نقده فكذلك التنظيم . ولأن التنظيم صار لا يقبل النقد او صار فوق النقد . كممت الأفواه واعتلقت العقول والإرادات والآراء والإجتهادات ” حتى الشرعية منها وبالأخص حول موضوع البيعة ” ووسد الأمر إلى غير أهله.إلخ ] أزمات في طريق الحركة الإسلامية.

قد تضطر يوما ما أن تفارق وطنك وأحبابك تحت ضغوط سياسية وأخرى أمنية محاولا أن تحقق ماتؤمن به من مبادئ وقيم. تعاني لأجلها كل صنوف المعاناة. تمر سنواتك ثقيلة مجهدة. ثم فجأة تجلس لتحصي حصاد هذه { التجربة } تقلب أحداثها ووقائعها كأنك لم تكن في وعيك حين عشتها سالف الأمر.فتكتشف أنها قد خلقت فيك شخصا آخر. ومنحتك قدرات وملكات لم تكن لتتمتع بها لو بقيت حيث ولدت. أنت الأن شخص جديد. وقد رزقت مفاهيم أخرى للحياة. وطرقا جديدة لاكتشافها. وعرفتك الخطوب معادن الناس. تجربة إنسانية ثرية. حتى تكاد تشكر الفتنة على مافعلته بك.!

كثير مروا من تجربة تلو أخرى لم يستفيدوا غير أنهم ساخطون متذمرون. يظنون أن الدنيا غضبت عليهم وغدرت أحداثها بهم ولفظتهم. معظم أوقاتهم في الشكوى من الحال ومؤامرات الكون عليهم .! بينما الكون يخطط ويعد لإستهداف غيرهم وقد يكون بأيديهم مرة أخرى ! ثم تمر ذكرى تلك التضحيات التي تحملوا عبئها جراء تمسكهم بافكارهم ومبادئهم ولازالت نفوسهم مستسلمة لما يواجههم لا يحركون ساكنا ! كأنهم هم من كتب عليهم الجلاء إلى يوم القيامة ! متى كان الدين جامدا لا يستجيب لحاجات الناس ونوازلهم،! كثيرة هي أزمات المسلمين والشعوب ورأينا كثيرون ممن جالوا ونقبوا في البلاد لم يستوقفهم حادث الفيل ! كنا بادئ الأمر نتصور ماقاموا به أمجاد وبطولات.! ثم مالبث التاريخ حتى أذهب بريقها واتضح أنها كوارث لم يجنى من ورائها إلا مزيد ذل وتشريد! (١١ أيلول ٢٠٠١).. ولا ننفي استدراجهم لما يخدم أعدائهم… لما تكتم الأفواه وتقيد الأقلام عن كتابة تجارب الناس محسنهم ومسيئهم وتقييمها؟ فإذا نشط لذلك أحدهم سرعان مايتهم في دينه وصيرورته!؟ أليس التاريخ أمانة يجب تدوينه بأفراحه وأقراحه! أليس الأولى أن يبدأ اللاحق حيث انتها السابق أم كتب عليهم لتفسدن في الأرض مرتين أو يزيد !؟

كأن هناك جهة تحرص على استمرار الأفكار والممارسات المنحرفة وتحاول أن تبني سدا منيعا دونها وتصبغه بصبغة دينية يقف عند ظاهرهاالسذج من الناس. فلا تذكر ضرورة المراجعة والتصحيح حتى تكون مستعدا لمواجهة ترسانة من التهم. المبادئ ليست بالضرورة إيديولوجيات وإن كانت تلك من ضمنها. وإنما هي تلك القيم التي يختارها المرء لنفسه والتي هي بقدر ما تكون واضحة له تصبح قدرته على اتخاذ القرار أكثر سهولة . لكن هل الثبات على مانؤمن به من مبادئ في مطلقه ممدوح؟

ماذا إذا اكتشفت أنك على خطأ، أو حتى بعض ماتؤمن به خطأ هل تتغير! يا صديقي؛ الثبات لا يعني الجمود، وإلا كانت نهاية الإسلام في بدايته ! ثم أنت لا تتبع قيمك لأنك تقدسهافي حدذاتها، ولكن لأنك تعتقد أنها دربك إلى الحقيقة. فإذا أيقنت انك في حاجة إلى تصحيح دربك حتى تصل إلى ماتبغي الوصول إليه. إذا إكتشفت هذا الأمر الخطير ولم تفعل فإن ذلك هو الخيانة الواضحة الصريحة.ولهذا أشار بعض العلماء. بقولهم قل أن يتوب مبتدع. السبب بسيط جدا هو أن الرجل ينظر إلى ماخلفه من إنجازات ظنا منه أيجعلها هباءا منثورا !!!. ومما يجب كشفه تلكم النفوس المتكبرة عن رؤية الحقيقة وتحاول أن تقنع نفسها ومتبعيها أنها على منتهى الصوابية طاعنة فيمن ينتقدها او يصحح خطأها.!!! ولسان حالها وماأريكم إلا ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد.! فغرروا بالبسطاء واستخدموهم في مصالح غيرهم. رضي الله عن أمير المؤمنين عمر الفاروق حين قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. لما لم نر كتابات السابقين في تجاربهم إلا قليل وخيرهم من إكتفى بالكلام في دائرته الخاصة وزعم كاذبا لكي لانخذل المجاهدين!؟ ونسي انه يقع في جريمة أكبر من تلك وهي خيانة وخداع الناس المتطلعين.!

ياصاحبي هل ماتراه في العراق وسوريا وما سبق من نكبات في كثير بلدان”زعزعة الإستقرار” وتحطيم شعوب من ترميل للنساء وتيتيم للأطفال وهتك للأعراض وآلاف المعتقلين والمخطوفين رجالا ونساءا وضياع للممتلكات وحرق لفلذات الأكباد فيما لا طائل من ورائه .! ترضاه لسائر بلاد المسلمين ؟! لا أظنك تفعل… ثم من يتحمل مسؤولية هذه التبعات التي ما كانت إلا في صالح الأجندات الخارجية تحديدا دولتا الظلم والعدوان إسرائيل _ أمريكا ؟! طبعا نكتفي بقول”قدر الله وما شاء فعل”على عادة إخواننا المساكين… أما من كانوا على سدةالصدارة بعد النكبة وأثنائها تحولوا (إلامن رحم الله) إلى تجار وأصحاب رؤوس أموال على حساب بذل وتضحيةالصادقين.! النماذج كثيرة واخبارها بلغت حد التواتر.. ثم من يحاسب من.. الجماعات تسرق وتحتكر حق الأمة وغير ذلك مما كنا نظنه حكرا على الأنظمة الفاسدة.! فكذلك يتعامل من ولي شيئامن ثغور جماعة أوتنظيم عند إتاحة الفرصة.!؟ وفي المثل العامي (طاح قمار على شفار) طاح اي وقع .. شفار اي سارق. حقيقة البوح قد لا يرضي الكثيرين لكنه الواقع المرير. ويكفينا أننا حتما سنقف يوما بين يدي الله ونسأل قال الله عزوجل{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.
زكرياء العزوزي