تربصات الصراع الداخلي بين “نخبة الطرف” و”نخبة المركز”.. وتدمير “الدولة الوطنية “!!

مفتتح للضرورة
هذه الكتابة تركز في فعلها التفكيكوي على الرؤية ” من خارج الصندوق ” إلى حقل تمظهرات خطاب العقل النخبوي؛ أي لا تصطف قيمويا في مربع تمركز “نخبة المركز/ السلطة والحكم”؛ أو في مربع ” نخبة الطرف ” المندرجة ضمن السلم الطبقوي في المجتمع؛ ولكنها تجتهد لقراءة الخطاب الجمعوي الراهن لمجمل النخبة، في تجلياتها العقدوية أو الإيديولوجوية؛ سعيا لكشف المخبوء والمضمر الكامن بها، والإمساك بمسلكيتها في المخادعة؛ وهي سمة بنيوية من سمات سيكلوجية النخب الموصوفة في الخطاب الشعبوي الدارج بأنهم (باعة الكلام)!!
*****
فمنذ ابتلاء المنطقة العربية بزلزلة ” الربيع العبري ” النخبوية الموصوفة توهما بــ “الربيع العربي “؛ ومنظومة الدولة العربية الراهنة/ ” نخبوية النظام ” تتعرض لاهتزازات متسلسلة؛ منها تلك التي تعتمل طبيعيا فوق السطح الاجتماعوي، أي ذاتية الفعل نتيجة الخلل التنموي وهي محسوبة النتائج؛ ومنها كذلك ” الفيروسية ” الباطنية؛ ذات النهج الافتعالوي المقتحم من الخارج… تمويلا وتوظيفا وترويجا!

وعلى الرغم من بروز قدرة تماسك وتساند ما يسمى ” الدولة العميقة ” بنخبتها المركزية الحاكمة في دول إقليم المنطقة؛ وتأتي ” مؤسسات الجيوش الوطنية ” في قلبها؛ فإن فعالية مؤسسات البنية العميقة في كل دولة، تبقى تمثل سياج الوقاية من الانهيار البنيوي لهذه الدول، باعتباره المستهدف المضمر لفعاليات ” الربيع العبروي المتصهين “؛ والذي يعتمد في تكتيكاته على استدراج نخب الطرف الداخلية بكل دولة، لتحفيز حالة التوتر المتواتر ؛ والجاري تعميمها في ظاهرة الاحتشادات والاحتجاجات الميدانية.
*****
ومن المعلوم أن هذا ” المستهدف/ الزلزالي ” يأتي ضمن المساعي الاستراتيجاوية للمركز الرأسمالوي الأميركي؛ الهادفة لإثمار ” الخريطة العولمية ” الجديدة إنتاجا، في منطقة يرسم لها – بضم الياء- حدوث الانقلاب على نمط (الدولة الوطنية)؛ عبر إعادة تشكل صورتها لتكون مشابهة لنمط الدولة الـ (قَبْتَارِيخِية)؛ (دولة الأسرة/القبيلة) بأفخاذها؛ و(الدولة العرقية) بمفهومها البيولوجي؛ واللسني المغلق على حروفيات محددة؛ و(الدولة الإثنية) العقدوية المتمسكة بديانة مغلقة ذات مدلول طائفوي.

وكل هذه الأنماط ستكون مستعادة في المنطقة؛ من نماذج مخزونها العرقوي والعقدوي المركزي العتيق؛ استثمارا لتلازمية العلاقة بين المنطقة مركزا لهبوط الرسالات والأديان السماوية بها( اليهودية والمسيحية والإسلامية)؛ بجانب خصوصية تشكيل الكامن الأناسي العميق السابق بجذوره العرقوية قبل نزول العقائد.

وسيحدث هذا التحول؛ باعتماد قواعد الارتداد على إعادة تشكيل الخريطة الإحيائية لتلك المجتمعات وفق ذاك النمط الماضوي ذاته؛ متجاوزة مفاهيم (دولة المواطنة الحديثة)؛ والتي تقوم على مفهوم (ما لله لله وما لقيصر لقيصر). والمواطن في سياقها هو إنسان؛ لا أهمية لعرقه، أو عقيدته، أو لونه.
*****
ومن دون شك فإن منظومة مؤسسات (الدولة العميقة) الحاكمة تتحرك بقدراتها الوظيفوية؛ و بما تمتلكه من مهارات وخبرات ما يسمى فنون (إدارة الأزمة)؛ لامتصاص وتدوير فعاليات اعتمال قوة الحراك الداخلية بكل مجتمع؛ لإعادة ترتيب التماسك الوطني الداخلي؛ بما يساهم في التواؤم مع النتائج الكمية للحركة؛ ولابأس – وفق الملاحظ من التجارب – من إحداث تطور بنيوي متفاوت الدرجات، بساطة وعمقا حسب كل دولة؛ وموقعها وطبيعة حصتها من تأثيرات” الزلزال/ الحراك “.

فكلما كانت ارتدادات الزلزال ذاتية الفعل؛ ومحتفظة بنقاء دوافع قواه الوطنية؛ وانحصارها في النمط الاحتجاجوي ” اللغة والخطاب والحركة “؛ كما يحدث مماثلا في دول الغرب الأوروبي” تظاهرات أصحاب السترات الصفراء أنموذجا”؛ كانت حركة التغيير البنيوية في كل مجتمع؛ تمثل دافع التحفيز لمؤسسات الدولة العميقة؛ للقيام بتفعيل طاقة الترتيب الذاتية؛ والمتعارف على تسميتها بــ ” الإصلاحات ” كي يتم امتصاص كمية قوى القلق المحركة لفعل الزلزلة؛ مع التنشط لإعادة صياغة طاقات الارتكاز التلقائية للقوى الداخلية بكل دولة؛ سعيا لتوفير شروط جديدة؛ تساعد في إعادة هيكلة أبنية الدولة، عميقا أو سطحيا؛ رغبة في امتصاص تأثيرات قوة القلق الجمعوية الطارئة.
*****
الخطورة الكبري في هذه المسألة؛ والتي قد تبدو تدميرية للدولة وبنيتها؛ تكون حينما تفقد قوى تحفيز الحراك من النخبة الطرفية المحتجة في الدولة براءتها؛ و يتنشط تفاعلها عبر جرعات هرمونات التحفيز غير الذاتوية؛ والمبثوثة من خارج سياق الدولة محل حدوث الزلزلة؛ فتسعد بالدعاية السوداء الإعلاموية التي تختلق حالة مزيفة عن الحراك؛ وترسم له صورة الثورة ضد النظام / باعتباره محتلا للسلطة؛ وبالتالي يشرع لما يسميهم ذلك الإعلام المضاد بــ “الثوار ” أن يقاوموا المحتل الداخلي بالسلاح إذا مارس العنف تجاه انفلاتهم.

وهنا تتسيد فجاجة الفعل القسري؛ الهادف لخلخلة الدولة؛ وتدمير استعدادها البنيوي لاستيعاب قوة التحريك الحادثة؛ بما ينتج مناخات قاسية، تضعف قدرتها المؤسساتية على امتصاص التحفيز المتصاعد الناشئ عن الحراك؛ وذلك حين الوصول بالدافعية لتسليح الحراك الاحتجاجوي؛ واستدراج قواه لممارسة العنف الفرداني المفتعل؛ فالتكتل القسري الميليشياتي يتشكل ليكون معادلا للعنف الوظيفوي الضبطي للدولة؛ وهي المحتكر الوحيد المتوافق عليه تاريخاويا لممارسة فعل القوة في الضبط والردع حين الخروج على القانون؛ ضمانا لسلامة الدولة/ المجتمع.
*****
إن نتائج التجارب الحادثة على الأرض العربية مؤسفة ومزرية؛ مع بروز تشكيلات فرق الخارجين من المسلحين/ الميليشيات المتشكلة محليا؛ وكذلك المستجلبة من الخارج؛ بما تمتلكه من احترافية مهارات القتال؛ فضلا عن تمرير الأسلحة المتنوعة إليهم؛ وإغراقهم بها عبر حدود التماس؛ فيما تسمى نقاط ضعف قوة ضبط الدولة وهيمنتها، وهو ما يوفر إمكانية اختلاق القوة المناظرة المضادة لقوة ضبط الدولة؛ فتتشكل مناخات ظاهرة الاحتراب والاقتتال الداخلي(سوريا وليبيا واليمن أنموذجا).

إن ذلك الفعل والفعل المضاد الحادث؛ يمثل التعبير البنيوي لأزمة (الدولة الوطنية) الراهنة؛ كإحدى نتاجات مناخات ” العولمة الجامحة ” راهنا؛ والخطورة هي تغير منطوق إدارة الحراك من ” سلمويته ” إلى ” عنفويته ” الخارجة عن المنطق الطبيعي.

لذلك فالأزمة الراهنة التي تمر بها منظومة ” الدولة الوطنية ” في المنطقة؛ هي أزمة مدعاة للتأمل في طبيعتها وقوانينها؛ ومعايير تحدياتها؛ وتفكيك خطابات تمظهرات الفعل ورد الفعل الحاكم للمسألة.
*****
ومن البين أن هناك مضمرا مسكوتا عنه في قضية اهتزازات نمط ” الدولة الوطنية ” راهنا؛ وهذا المضمر يخفي في ظاهره وباطنه آليات ” عجز المشروع النخبوي ” في الدولة العربية المتهالكة؛ بفعل فاعل عن الاندراج في نمط التحديث المعاصر؛ بما يتجاوز الحالة الاقتصادوية الريعوية الراهنة؛ والتي مع بقائها بشروطها الموضوعية؛ والتشبث بها تنفضح هشاشة ” بنية العقل النخبوي ” المهيمن على المستويين؛ الأول لدى نخب أروقة ” إدارة نظام الدولة “؛ والثاني لدى نخب السلم الطبقوي المحدد لمساحات القوى الاجتماعوية في مجتمعات الحراك الراهنة.

بمعنى أكثر إيضاحا إن أزمة الدولة الوطنية العربية الراهنة هي ” أزمة النخبة الوطنية “؛ سواء داخل أروقة الحكم؛ أو خارج هذه الأروقة من المجموع الشعبوي. حيث أن الدولة أية دولة تدار بالنخبة؛ بتقسيماتها المتنوعة من نخبة إدارة الدولة(المركز) ونخبة الدوران في عجلات تسيير الدولة(الأطراف).
*****
وهذا من المنظور النفساني؛ يكشف أن خطاب ادعاءات نخب الأطراف الداخلية؛ الضاجة بالشعارات والاحتجاجات والتظاهرات المتمسحة في البراءة؛ وأنها ممنوعة من القول؛ وتلوح دوما بلافتة ” الديموقراطية “؛ ليست سوى مبرر استتاري؛ تلجأ إليه تلك النخب كوسيلة لإعلان تميزها الفرداني في وظيفة إنتاج الأفكار المهمة في السوق الوطنية؛ لذلك فمن حقها الحصول على فرصتها بالاندراج في فئة ” نخبة المركز ” التي تدير مؤسسات الحكم بعد أن فشلت في إنجاز المطلوب التنموي. وهنا تحقق نخبة الاطراف حلمها الانتفاعي بتدوير عجلة إدارة الحكم ومنع احتكار مقاعد السلطة!!

وإذا كانت ” نخبة المركز الحاكمة ” في كل دولة؛ وفق مواقعها في سلم السلطة تعمل بالأجندة النخبوية الظانة أنها أفضل المتاح؛ فإن ” نخب الأطراف ” الدائرة في عجلة العمل التنموي المتوهم؛ تعيش غارقة في المهيمن الذهاني المسيطر على تفكيرها بأنها تستطيع فردانيا أن تكون أفضل من ” نخبة المركز ” كما تدعي.

والملفت للانتباه؛ أن أيا من أفراد هذه النخب لم يقم بتقديم تصور موضوعي لحل مشكلة ما جوهرية في وطنه؛ كبرنامج لتقليص الفقر؛ وإنهاض التصنيع؛ وتطوير التعليم ومحو الأمية؛ وإحداث مشروعات التحديث؛ لذلك تخفي تهافتها بالشعارات الفضفاضة التي تنتجها، وتوظفها لتتسيد خطاب الاحتشاد في الميادين؛ وسيلة ضغوط سياسوية؛ قد تهز بها استرخاءات نخب إدارة الحكم.
*****
لذلك فإن إشكاليات واقع (نخبة المركز) داخل أروقة إدارة شؤون الدولة، تكون محكومة بقواعد الممكن والمتاح والمتصور، ومرتبطة بـ ” فقه الأولويات ” المتوائمة مع الحالة السياسوية والاقتصادوية؛ وتكون محكومة دوما بدافعية العمل القيادوي لتحقيق مشروعها إذا كان لديها مشروع وطنوي؛ فتتخذ القرارات والفعاليات التنفيذية؛ آملة أن تستوعب ” نخب الأطراف ” الحركة في الواقع؛ فتبادر بالدعم عبر تقديم التصورات والجهود المساهمة لتحقيق خطط التنمية المركزية الموضوعة.

والجدير بالملاحظة في أنماط ” الدولة العربية القائمة ” أن ” نخب الأطراف ” في الداخل تبدو دوما متداعية القدرة على المبادرة أو المشاركة؛ نتيجة فقدان أو ضمور البنية الحزبوية؛ وهو ما يعزلها ذاتويا عن إمكانية الدخول في حيز أن تكون ضمن ” نخبة المركز ” القيادوية عبر ” الصناديق “؛ لذلك يصبح وجودها كالعدم؛ نتيجة قصورها، أو انسداد آفاق إبراز قدراتها؛ وإعلان توافر طاقاتها للمشاركة في حقول إدارة التنمية المفترضة.

وهنا تختار تلك ” النخب الطرفية ” الهامشوية ” وظيفة الاحتشاد “؛ بل والتحريض عليه؛ رافعة لافتات الحضور الشعاراتوي في الميادين؛ وهي ظاهرة مستولدة من ” طقوسيات الربيع المتصهين “، والتي يعاد استخدام نمطيتها في كل دولة عربية؛ الدولة بعد الأخرى بالتكرار؛ ما يجعل العملية تحسب ضمن إطار حروب الجيلين الخامس والسادس.
*****
ونتيجة تربصات افتعال الصراع الداخلي تلك في كل دولة قائمة بين “نخبة الطرف” و”نخبة المركز”… يجري تنفيذ المشروع العولمي لتدمير ” نمط الدولة الوطنية ” إذا غابت الحقائق عن الأذهان وحلت لعبة المصالح!!
رأفت السويركي