برهان غيبنا وغباؤنا

بقلم / هناء السعيد.. مصر

وليس أثقل علينا من ميراث كره نتجرعه ولا نكاد نسيغه، يمر كل شيء إلا تاريخنا ، وكما قال الاستثنائي محمود درويش “ومن حاضر لم يعد حاضر.. خائف “، الحاضر يطاردنا يحاسبنا علي غيابه، ليس لدينا سوى تبريرات لغيابنا، ليس لدينا سو لغة ماتت واجتهاد خطأه مبارك، وأشد ما يشد ظهر أمة الغياب هو التمسك بذيل عقل ، تسلطنا عل أنفسنا لما بني تديننا علي ” النرجسية “، علي الهوس بلقب ” الخيرية” ، علي وهم الاعتدال والوسطية.. علي عرش الهوامش.

( الله ).. هو موضوع حياتنا الذي لا يملنا، كل ما يربطنا به غالي وصعب ومحاط بالخطر ، حتى لو كان بعيد ومستحيل ، سيهون طريق نقابله عند آخره..

وحتى ارتكن إلى إيمان راسخ به ، وهو الغيب سبحانه ليس في يدي إلا الخبر ، إلا السماع ، إلا نصوص مقدسة أو نصوص قدسناها هنا وهناك ..
وقد اعتمدت امتي مصادر ثلاثة نأخذ منها دليلنا في التدين، قرآن وسنة وإجماع ، هكذا يقرنوا بينهم، لكن فيما يخص استقرار دنيانا وحكم خلودنا في دار من داري الخلود ، ويخص حفظ حق الخلاف المكفول إلهيا، علينا أن نفصل ، نفصل علاقة المصادر الثلاثة بأمور العقيدة ، أمور جنة ونار ، أمور مصائرنا.

اولا القرآن..
هو المصدر الوحيد الذي يمكن اعتباره في شأن الغيب، لأنه المصدر الوحيد قطعي الثبوت، لكن ليس كل ما في القرآن يمكن أن يستند إليه كدليل على الغيب، قطعي الدلالة فقط هو المستند ، ما يحمل معنى واحدا هو المستند، أما ما يحتمل ويحمل التأويلات فهو بوابة الرحمة التي نتمسك أن تظل تستوعبنا جميعا وتستقبلنا إلي قبلة فاطرنا في نهاية المطاف .
فلو قلنا .. ” قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ”
لا تحمل إلا معنى واحدا ..
لكن الفرق بين ” لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ” .. و ” إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ”
لو اختلفنا في إقرار رؤية الخالق في الآخرة فهذا لا يعد خلاف كفر وإيمان ، لأنه لا يوجد نص قطعي في دلالته يحسم الخلاف، لأنه ( الخلاف فيما لا قاطع فيه يمنع التأثيم ) ..

ثانيا السنة :
معظم السنة أخبار آحاد ، أخبار أفراد، وخبر الواحد محتمل، ولا يقين مع احتمال ، لن يحاسبنا الإله على عقائد جاءت من طريق الظن والاحتمال ، فحديث الآحاد لا يفيد عقد ولا عقدة ولا عقيدة ولا يعول عليه في مهمة الغيب.
ندر المتواتر، ندرة رواية الكثرة المانعة من ظنون الكذب والتكذيب وخيالات الوهم ، وعواصف التعصب والتحيز، وإلا ولو وجد المتواتر فإنه قطعا برهان على العقيدة، وشروط أن يكون التواتر حقيقي _لا مجرد لفظ استخدمه القصاصين لجذب العوام لحديثهم _ هو أن يرد الحديث في الكتب المشهورة بطرق متعددة وهذا التعدد الذي لا يتصور معه الإتفاق على كذبة يكون في جميع طبقات إسناده.
فمثلا أحاديث ( أشراط الساعة) كلها آحاد ، فلو تعرضنا لها بالنقد أو حتى بالانكار، فالنار ليس عاقبة المتسائلين .

ثالثا الإجماع :
حجيته ليس عليها دليل قطعي، اختلفوا في تعريفه وفي من يمثل الإجماع، أطلقوا الكلمة دون وضع توضيح لها بأنه إجماع طائفة أو مذهب حتى يستخدمها كل فصيل يدعي أنه ممثل السماء في إقصاء الآخر عن ساحة الإيمان وعن صف المؤمنين .
وبالتالي لو خالفت معتقدا عن الله وملائكته واليوم الآخر والقدر والكتب والرسل جاء من طريق مختلف في هل هو حكم على الدين أو لا ، فأيضا النار ليست عاقبة بحثك وتحرياتك.

عموما.. الاختلاف يكون رحمة بين أمتنا الواحدة في قبلتها وكتابها وربها عندما تدرك الفرق بين خلاف الأصل وخلاف الفروع ، بعد أن تدرك وهن أدلة مزقت صفها لقرون، وتدرك أن الفرق جميعها نزهت واجتهدت، وأن الاجتهاد لا يعرف السيف ولا يؤدي إلى القتل، وأن الأمة الصلبة تتحري دوما عن البراهين “الصلبة” التي ترسخ أركانها في أرض المعرفة المتقلبة المتغيرة، أركان لا نقطع لأجلها الرقاب ، لأن الكل عنده حقيقته هي الحقيقة الوحيدة، وإنا أو إياهم لعلي هدي أو في ضلال مبين، وهذا يعصمنا من غباء امتلاك الحق منفردين ، هذا في حقل الدين، أما في الدنيا- ونحن أعلم بشؤون دنيانا- فاليقين مؤقت ايضا ، وتصور حدوثه برهان غباؤنا ، يقين الحياة هو يقين إلى حين تجلي يقين جديد يطفيء نجمه وتوهجه.. ويقين العقيدة يقين حتي يوم يفصل فيه الإله بين خلقه فيما كانوا فيه يختلفون .