حول التفاهة الوطنية

عمر أمزاوري
سبق وتحدثت عن هذا من قبل: نظام ما بعد الحداثة بعد تفكك الإيديولوجيات الجماهيرية صار يقوم على التفاهة قصد الضبط، ولما رأى في الأديان منافسا له قام بفسح المجال لظهور الهرطقات وانتعاشها بعيدا عن أي إيمان في حدود العقل، لقد تم تدمير الأجيال الجديدة تدميرا خطيرا حقا، ألاحظ هذا جليا في التفاهة الصاعدة، ففيما مضى اعتمدت الرؤى الفكرية والسياسية على الكتب والمنشورات للإقناع، وحتى لو كانت دعواها باطلة فإن تجاوز الباطل ممكن من خلال المراجعة النقدية والثقافة والمطالعة وتوسيع المدارك..

لكن هذا صار غائبا، فقد انتشر الإسلام السياسي في طوره الأخير عن طريق الدعوة وهي شكل بدائي من البروباغاندا القروسطية استدعاه اليمين الإنجيلي الأميركي أولا ثم تلقفه الإخوان المسلمون والسلفيون والبازاريون، إضافة إلى أن الحاصل اليوم هو انحطاط الانحطاط، فقد انتقل المنشور الفايسبوكي ومعروضات اليوتوب التي تفتقر إلى المصداقية، ليس فقط بسبب عدم وجود مصادر أو قلتها، بل بسبب عدم وجود الحسابات التي تنشر تلك الأفكار في الواقع، كان الأمر فرصة للمهارات الاستخبارية، وانتشار الدعاية والدعاية المضادة الكفيلة بإشعال حرب أهلية فالأمر شبيه بدور الراديو المدمر في الحرب الأهلية الرواندية.

وهكذا صرت ألاحظ في هذا الفضاء انتشار الأفكار المتطرفة، دون أن يكون للأفراد قدرة على التحليل النقدي للأمور، فحد أدنى من المنطق ضروري، حيث لا يمكن أن نفلت من إيمانويل كانط ومن كارل بوبر أيضا، وإلا وقعنا في الوهم..

الوهم خطير جدا، يجعل من الظن وهو الرأي الفاسد كما عرفته الفلسفة اليونانية، قلت يجعل منه مؤثرا على مصير الناس ويرفعه إلى مرتبة المطلق..
لقد لاحظت حياتي قبل تجربتي الروحية ومن بعدها، أنني كنت أكثر تطرفا فكريا لصالح الحداثة واليسار ولجماعتي الأمازيغية والريفية، والنسوية والإنسانوية.. ولكن لما كنت قد راجعت أفكاري حاولت أن أبحث عن أناس يتفقون معي، خاصة وأنني يميني الأفكار في النهاية لكن دون السقوط في السياسوية والكراهية، لكن دون جدوى!

اليمين نفسه صار مهلهلا جدا، والمجموعات اليمينية الجديدة تشتغل بمنطق طلاب الثانوية، غير حاصلة على تأطير ومن السهل استغلالها لتطوير رؤى عنصرية والوقوع في الزينوفوبيا، وذلك ما خبرته عن تجربة.. وهذا ما ألاحظه من صعود القوميات الأمازيغية والريفية والمورية والعربية والتي ينضم إليها ملاحدة سابقون، فتدينهم تغزوه الشكوك، وإلحادهم هش، ولما كانت الروحانية ضعيفة فإن الإنسان يكون أكثر فقرا ورغبة في ممارسة السياسة ولو عن طريق العنف.

إن هذا يخيف حقا، فلم أكن أخاف المسألة الدينية قط، فالدين الإسلامي في بلادنا هو عامل وحدة وكل ما نراه عن الرؤى المعارضة له فرقعات إعلامية، لكن المسألة القومية هي برميل بارود..

والدولة المغربية فقدت السيطرة على ميدان الضبط الفكري القومي، صحيح أنها تحاول لكن ذلك يبقى عديم الأثر دون تحسن الحالة الاجتماعية والاقتصادية، فشعور الناس بالعدالة يخلق الامتنان عندهم.

طيب ! لماذا أتحدث عن هذا وربطه بالتفاهة، ذلك أن التفاهة تصنع إلى جانب الهشاشة الفكرية، تصنع الأوهام الكبرى وتغيب الإنسان عن المشاكل الحقيقية، فالنخبة قد تتفاعل مع نزول فريق كرة قدم إلى الدوري الثاني أكثر من رؤيتها للأزمة الاقتصادية الخانقة في مدينة تطوان مثلا.

النخبة الوطنية أكثر انتهازية، تتحدث عن النزاهة والشفافية بينما هي تنعم في الريوع والبلاد تغرق في المديونية والفساد، وهي لا تبالي بالناس في المستشفيات العمومية مثلا مع أن فشل النظام الصحي كارثة وطنية عند أي حكومة تحترم مواطنيها..

إن تشجيع التفاهة ليس هو الترفيه، فشخصية المراكشي الذي يرقص مثل قرد ويغلب على سلوكه الفهلوة لا يمكن أن تعطي سوى مشاريع فراكيس جبناء، ولا ننسى كيف صور فركوس الجندي المغربي أمام الإسبان، ذلك الفيلم مذل من المنظور الوطني..

وشخصية الشمالي الخبيث أو المخنث والتي تصور دائما في الإعلام كشخصية ضعيفة دائما ما تراكم الحقد عمد الشماليين ضد الأغلبية العربية التي تعيش في السهول، ويزكي عند الشماليين الخطاب الريفي، ويجعلهم الوضع الاقتصادي أكثر انضماما للجريمة المنظمة.

أما شخصية العروبي الغدار الذي وإن كان يعيش في المدينة فإنه دائما فلاح أجلف أو شخص بلا رحمة، قد يعترض الواقعي لكن مهمة التلفزيون الوطني أي تلفزيون وطني هي التربية لا تصوير واقع، فنحن لازلنا متخلفين جدا لرؤية الشر، والملاحظ هذا أيضا في السينما المغربية التي تركز كثيرا على الجنس والمشاكل الناتجة عن الجنس وتوظف الجنس.. (باستثناء مسلسل رضاة الوالدة الذي يعكس عموما رؤية حضرية للإنسان المغربي ومعاناته).

نلاحظ أيضا إلى جانب تسطيح الشخصية الوطنية، انتشار السخرية والتنابز في الحوار، أي غياب الحوار المتمدن، ومع نخبة صاعدة تفتقر إلى الرؤية، وشعب تافه الاهتمامات فسنظل في دائرة المجتمع الخلدوني أو نشهد سربيتنشا مغاربية، وفي أحسن الحالات سنظل ذلك الميناء الفقير الذي
يصدر العاهرات والمجرمين والمواد الأولية، الذي فقد الثقافات العربية والفرنسية لصالح الإغراق في محلية تافهة..

بناء الوطنية يبدأ بالصح والعمل والجد والقيم الحضرية أي ظهور المواطن لا من خلال الفساد والريع والتفاهة والقيم القروية واستمرار نموذج الخماس!