تونس: تقرير شامل عن النّدوة العلميّة الدّوليّة “الدّين والدّولة في المجال الإسلامي الرّاهن”

إعداد: فيصل شلّوف (باحث تونسي)
انعقدت بمقر مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بتونس العاصمة، النّدوة العلميّة الدّوليّة”الدّين والدّولة في المجال الإسلامي الرّاهن: مقاربات ومطارحات”، وقد امتدّت على يومي 14 و15 يونيو (حزيران) الجاري، وساهم فيها باحثون من تونس متخصّصون في الدّراسات الحضاريّة، أثّثوا جلساتها الخمس بأطروحاتهم، مع محاضرة افتتاحيّة قدّمها المستشار عبد الجواد ياسين من مصر، وقد اختتمت أشغال النّدوة بجلسة حوارية حول كتابه الأخير “اللاّهوت” الصّادر عن مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث.

ألقى الأستاذ نادر الحمّامي، في البداية، كلمة باسم مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، رحّب فيها بالحضور من مشاركين في أشغال النّدوة ومتابعين، وثمّن الاهتمام بالمسائل الفكريّة والبحثيّة ذات الطّابع الإشكالي والمتعلّقة بقضايا الرّاهن، ثمّ ألقى كلمة قسم الدّراسات الدّينية بمؤسّسة مؤمنون بلا حدود الأستاذ أنس الطريقي، وقدّم فيها محاور الاهتمام التي تطرحها أشغال النّدوة، كما بيّن أنّ العلاقة بين الدّين والدّولة تمثّل كبرى المشكلات المفتوحة باستمرار على جدل واسع منذ لحظة سقوط الخلافة، واعتبر من الأهمّية الخوض في هذه المسألة بجميع ما يتصّل بها من هوامش وروافد، استناداً إلى المنهج السّياقي الذي يؤكّد على البعد الواقعي التّجريبي الذي يحرّك تاريخ الأفكار، وأطّر المسألة ضمن الرّاهن باعتبارها براديغم من براديغمات التّفكير التي وجب عدم الانعزال داخلها، بل جعْلها مفتوحة باستمرار على التّساؤل والبحث.

وألقى المحاضرة الافتتاحيّة للندّوة المستشار عبد الجوّاد ياسين،بعنوان:”التّفكير في الدّولة في الإسلام المعاصر: أين المشكل؟”؛ انطلق فيها من التّساؤل حول إشكالية السّلطة وعلاقة الدّولة بالدّين في ظل ثقافة لا تزال تتبنى مفهوم الدّولة الإسلاميّة، فيما هي تقرّ في الوقت ذاته بالجاذبيّة الطّاغية للدّولة الحديثة؟ واهتمّ بنقاش مسألتين؛ الأولى أرضيّة الثّقافة السّياسيّة التي توجّه الفكر الإسلامي في السّياق المعاصر، واعتمد في ذلك على مقارنة السّياق الرّاهن بسياقين إسلاميّين سابقين؛ الأوّل هو سياق التّشكّل المبكّر للفكر الإسلامي في مراحل التّدوين، والثّاني هو سياق الاحتكاك المبكّر للفكر الإسلامي بنموذج الدّولة الحديثة في أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك وفق تعبيره، بحثاً عن المشكل الحقيقي الذي يواجه الفكر السّياسي الإسلامي المعاصر، هل يكمن في نموذج الدّولة الحديثة الذي لا يستطيع التّوافق مع الرّوح التّشريعي الأخلاقي للإسلام وللدّين عموماً، أم أنّ المسألة تتعلّق بالبنية أو النّظام البنيوي الموروث للفكر الإسلامي المعاصر بطابعه الحصري المطلق.

وفي أرضيّة التّشكّل أشار إلى أنّ الفكر السّياسي الإسلامي تشكّل باعتباره ردّ فعل على الصّراع السّياسي، ولم ينشأ عن تأمّل نظري ولا ترجمة للنّص التّأسيسي؛ فالواقع السّياسي هو ما شكّل الفكر السياسي، ونظريّة الخلافة عكست الطّابع الثيوقراطي المبكّر للسّلطة وطابعها الملكي السّلطاني المستمد من الدّولتين الأمويّة والعبّاسية. واعتبر أنّ الهاجس الأساسي الذي شغل التّنظير السنّي هو تأصيل مشروعيّة الأنظمة ضدّ مطاعن المعارضة من الخوارج والشّيعة، ما جعل مفهومي النّظام والطّاعة يتكرّسان على حساب أيّ مفهوم سياسي آخر، بينما الهاجس الأساسي في الحالة الشّيعيّة يدور حول إثبات أحقّية علي وأبنائه بالحكم ونفي مشروعيّة الأنظمة المغتصبة للسّلطة، أمّا النّظرية الإباضيّة فقد جاءت تقنيناً لحالة الخروج المتواصل على السّلطة.

وخلص إلى أنّ النّظريّات الثلاث تستخدم مصطلح النّظريّة في التّراث الإسلامي بالمعنى المجازي لأنّ الخلافة أو الإمامة لم تكن نظريّة في الدّولة ولا في الحكومة،واعتبر في المقابل أنّها نظريّة في الحاكم الذي كان يختزل في الواقع وفي الذّهن السّلفي مضمون الدّولة والحكومة معاً، وقال إنّ الفكر الإسلامي لم يعرف فكرة المجتمع ولا فكرة الدّولة بمفهومها المجرّد، ولا فكرة الحكومة باعتبارها مفهوماً سياسيّاً متمايزاً عن الدّولة.

وبيّن أنّ الفكر السّياسي المعاصر يشتغل في سياق اجتماعي وثقافي مختلف جذريّاً عن السّياق الذي أنتج أرضيّة الفكر السّياسي الإسلامي، واعتبر أنّ هذا الفكر استُعجل بمفاهيم ما بعد الحداثة قبل أن يتمكّن من استيعاب مفاهيم الحداثة، وأنّ النّتيجة هي حالة من الإرباك الفكري تعكس تناقضاً في المكوّنات التّراثيّة التي يصعب تغييرها وفي المثيرات الحداثيّة التي يصعب تجاهلها، وهو ما اعتبر أنّه “يعكس حالة بؤس سياسي واجتماعي مزمنة”، بالنّظر إلى أنّ المكونات التّراثيّة لم تعد تتطابق مع بنيات الواقع الآخذة في التّطوّر بما في ذلك البنية الشّكليّة للدّولة الحديثة، وأكّد مع ذلك أنّها تبقى كامنة في الوعي السّياسي العام. ما يعني التّقاطع مع فكرة الدّولة تقاطعاً إشكاليّاً بالضّرورة، ومع بنية الدّولة بما هي في ذاتها كائن اجتماع ضروري، أي علمانيّ بالطّبيعة، ومنها إلى بنية الدّولة الحديثة التي نتجت أساساً عن سياقات التّطوّر في الغرب، والتي كانت تطويراً للازدواجيّة المسيحيّة نصف الثّيوقراطيّة ونصف العلمانيّة، وصولاً إلي الدّولة “الوطنيّة” في السّياق الإسلامي المعاصر، وصعوبات التكيّف بينها وبين الطّرح الإسلامي الموروث، حتّى في صورته الأكثر اعتدالاً.

وانطلقت الجلسة العلميّة الأولى التي ترأّسها الأستاذ بسّام الجمل، بمداخلة الأستاذ محمّد الخرّاط، بعنوان: “لاحقة “الإسلامي” و”الإسلامية” في أدبيّات الإسلام السياسي: الأبعاد والمآلات”؛اهتمّ فيها بالبحث في الخلفيّات الإيديولوجيّة وفي النّتائج المترتّبة عن استدعاء لاحقة “الإسلامي” و”الإسلامية” في الاستعمال المتداول وصناعة لغة خاصّة تحتكر الموضوع الدّيني،وتتجاوز ذلك إلى افتكاك اللّغة ثمّ السّيطرة بها على المتقبّل عبر توجيهه إلى أفكار معدّة سلفاً؛ وقد عمل في بيان ذلك على اختبار مدى التّناسق الفكري بين الدالّ والمدلول والمرجع في تلك الاستخدامات التي تؤكّد على لاحقة “إسلامي” أو “إسلاميّة”، وبحث من ثمّ في النّتائج المترتّبة على هذا الدّمج بين دوال تنتمي إلى فضاءات معرفيّة وأطر اجتماعيّة مختلفة، وانتهى إلى النّظر في الرّهانات التي يروم بلوغها أصحاب المرجعيّات الدّينيّة عموماً وجماعة الإسلام السّياسي خصوصاً، وذلك من خلال حرصهم على تكثيف هذه المصطلحات والمفاهيم والعمل على استحضارها في نحت مفاهيمهم جديدة وفي عنونة الفضاء الاجتماعي والاقتصادي ووسم الخطاب السّياسي.

كما قدّم الأستاذ امبارك حامدي مداخلة بعنوان: “الدّين والدّولة في أدبيّات الإسلام الإيديولوجيّ: التّصوّرات والمآزق”؛أشار فيها إلى أنّ الشّاغل السّياسيّ مثّل إشكاليّة لازمت تيّارات الإسلام السّياسيّ منذ ظهوره، ومبحثاً مركزيّاً في أدبيّاته، وأنّ ممارسة السّياسة احتلّت مكاناً متميّزاً في الفضاء العامّ الإسلامي، على نحو يتجاوز كلّ مشغل آخر يمكن أن يهتمّ به تيّار دينيّ. واستعرض المفارقات المترتّبة عن ذلك على المستويين الفكري والعمليّ، وأرجعإليها فشل المسلمين في إرساء علاقة “سليمة” بين الدّولة والدّين، وبالتّالي الوقوع في صداماتٌ دوريّة مع الدّولة الوطنيّة، والعجز عن إدارة الدّولة بعد “ثورات الرّبيع العربي”، وبيّن تناقض مواقف حركات الإسلام السّياسي التي خضعت في كثير من الحالات إلى ما وصفه بـ “تكتيكات ظرفيّة”. واعتبر أنّ المراجعاتُ الكثيرة ومحاولات التّطوير التي أعلنت عنها تلك الحركات نفسُها لم تُجْد في إزالة المفارقات التي تعيشها في الفكر والواقع، ولا في تسديد الفعل السّياسيّ. وانتهى إلى تسليط الضّوء على خصائص تلك التّصوّرات السّياسيّة، ومنها ما يهمّ علاقة الدّولة بالدّين في أدبيّات الإسلام السّياسيّ، والوقوف على مرجعيّات تلك التّصوّرات.

ودارت الجلسة العلميّة الثانية برئاسة الأستاذ نادر الحمّامي، واستهلّت بمداخلة قدّمها الأستاذ رياض الميلادي بعنوان: “العلاقة بين القانون والدّولة في الفكر الإسلامي المعاصر”؛اهتمّ فيها بمحاولات منظّري الفكر السّياسيفي العالم الغربي نسج علاقة متينة بين القانون والفلسفة التي يقوم عليها لتنظيم الاجتماع البشري من جهة، والدّولة بما هي كيان مجرّد يسمح بتحقق ذلك التّنظيم في التّاريخ بواسطة ما تهيّئه من مؤسّسات من جهة أخرى. ليبيّن من ثمّ أنّ عدداً من المفكّرين من داخل الفضاء الإسلامي ومن خارجه، “ممّن ينسبون إلى الاعتدال”، قد حاولوا إعادة النّظر في العلاقة التي جمعت بين التّشريع الإسلامي مثلما تصوّروه والدّولة الإسلاميّة التي يأملون قيامها في الواقع التّاريخي. ووقف على نماذج لمراجعات أنجزها عدد من الباحثين في قضايا الدّولة الحديثة وفي مسألة الشّريعة الإسلاميّة؛ وبيّن رغبتها في تجاوز التّصوّر الإسلاموي السّائد في تعاطيه مع القضايا القانونيّة والسّياسيّة المعاصرة. وقد اندرجت المداخلة في سياق القراءة النّقديّة لعدد من المشاريع التي مثّلت مراجعات نقدية لأعمال الآباء المؤسّسين للفكر الإسلامويّ المعاصر.

وقدّمت الأستاذة هدى بحروني، بعد ذلك، مداخلتها بعنوان:”مفارقات الدّولة المعاصرة بين المدنيّ والدّينيّ”؛ عملت من خلالها أوّلاً على تمثّل مظاهر المفارقة بين الدّينيّ والسّياسيّ في السّياق الإسلاميّ المعاصر، وثانياً، على تمثّل انعكاسات الخلط بينهما على مفهوم الدّولة وهويّتها وعمل مؤسّساتها،وقد اهتمّت في هذا السّياقبجملة من التّجارب العربيّة والإسلاميّة في مستوى التّنظير والتّطبيق، وذلك من خلال محورين اثنين: أوّلهما بيان مظاهر التّداخل بين المدنيّ والدّينيّ في الدّساتير ومجلّات الأحوال الشّخصيّة، وثانيهما الوقوف على انعكاسات هذا التّداخل على الواقع اجتماعيّا وسياسيّا. ومن خلال هذا الطّرح بيّنت جملة من الإشكاليّات، تعلّقت بتجليّات الطّابع المدنيّ للدّولة الوطنيّة الحديثة والمعاصرة، وبالملامحالدّينيّة التي انطوت عليها دساتيرها وقوانينها،كما اهتمّت بالمأزق الذي يعكسه التّقاطع بين الطّابع المدني والطّابع الدّينيّ، والّذي يواجهه الفاعلون السّياسيّون في خلق توفيقيّة بين احتياجات الجمهور الثقافيّة من جهة، وإنشاء صورة حداثيّة ترضي الفاعلين السياسيّين في الخارج.وخلصت إلى اعتبار أنّ الفكر السياسيّ العربيّ قد بدا عاجزاً عن بناء نظريّة سياسيّة متكاملة ومتوازنة ومعلومة المنطلقات والأسس.

أمّا الجلسة العلميّة الثالثة، فقد دارت برئاسة الأستاذ فيصل شلّوف،وقدّمت في مستهلّها الأستاذة الزهرة بلحاج مداخلةبعنوان: “الإسلام السّياسي في تونس: الثّوابت والمتغيّرات”؛ توقّفت فيها عند أبرز مراكز الاهتمام في خطاب الإسلام السّياسي في تونس منذ نشأة حركة الاتّجاه الإسلامي في بداية السّبعينات من القرن العشرين، وعرضت طبيعة الرّؤية الإيديولوجيّة التي وجّهته، من خلال إبراز ما هو خصوصي وما هو مشترك بينها وبين المنظومة الإخوانيّة بصفة عامّة، وبحثت من ثمّ في مدى تطوّر الأفكار التي عبّرت عنها حركة النّهضة ووجّهت سلوكها السّياسي في مجال الدوّلة ومتعلّقاتها، معتبرة أنّ الدّولة مثّلت مدار اهتمام الإسلام السّياسي ثقافيّا واجتماعيّا واقتصاديّا، كما أشارت إلى اندماج مواقف حركة النّهضة التي يعبّر عنها المنتمون إليها والفاعلون من قيادتها مع بياناتها التّأسيسيّة ولوائحها وخاصّة مع الأفكار التي يعبّر عنها زعيمها التّاريخي راشد الغنّوشي، وقدّمت أمثلة على ذلك من كتاباته، واستقرأت علاقة التّماهي بين سيرة الشّيخ وسيرة الحركة، وقالت “إنّ راشد الغنّوشي يلخّص حركة النّهضة في ما يراه هو وما يعبّر عنه من أفكار”. وقدّمت من ثمّ تحليلاً لمسألة الدّولة ومتعلّقاتها في طروحات حركة النّهضة، وأشارت إلى مواقف العداء المتأصّل في الخطاب الإسلاموي تجاه الدّولة الحديثة التي وُصفت بالعلمانيّة، وهو عداء كثيراً ما يبرّره الإسلاميّون بتناقض الدّولة مع الإسلام ومنهجه.

وقدّم الأستاذ مصطفى القلعي مداخلة بعنوان:”العلاقة بين تشكيلات الإسلام السّياسي والدّيمقراطيّة في تونس”؛اهتمّ فيها بتشكيلات الإسلام السّياسي في تونس على غرار حركة النّهضة وحزب التّحرير وأنصار الشّريعة،واعتبر أنّ هذه التّشكيلات الثلاثةهي الأبرز والأصلح لتكون نموذجاً للدراسة لاسيما أنّها نمت وتناسلت لتتحوّل الكثير من أجنحتها إلى الإسلام التّكفيري الإرهابي الذي يكفّر المجتمع ويرفع السّلاح في وجه الدّولة. ودرس من ثمّ العلاقات فيما بينها، وأشار إلى أنّها علاقات متراوحة بين التّساند والتّصادم لاسيما بين حركة النّهضة وبين أنصار الشّريعة،وبيّن أنّ تحوّل هذه العلاقات مرتبط بمتغيّرات السّاحة الوطنيّة التّونسيّة بعد وصول حركة النّهضة إلى الحكم وعدم قدرتها على الاستمرار في علاقة طبيعيّة مع التيّارات الإسلاميّة السّلفيّة منها والتّكفيريّة الإرهابيّة، وأنّه مرتبط أيضاً مع متغيّرات السّاحة الدّوليّة المتحرّكة بسرعة (الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة خاصّة)، واعتبر أنّ العامل الدّيمقراطي الدّاخلي والخارجي كان حاسما في التّأثير في هذه العلاقات التي تراوحت بين التّساند والتّصادم، كما أنّ الإعلام الحرّ والفكر التّحرّري والمؤسّسات الأكاديميّة وتحرّكات المجتمع المدني وغيرها من العوامل الدّيمقراطيّة في تونس، أثّرت في تكتّل تشكيلات الإسلام السّياسي وفي رسم مسار تأثيرها السّياسي ومدى قبولها من المجتمع.

والتأمت الجلسة العلميّة الرّابعة برئاسة الأستاذ أنس الطّريقي،وقدّم في بدايتها الأستاذ نادر الحمّامي مداخلة بعنوان: “الإسلاميّون وأنصارهم في الغرب”؛اهتمّ فيها بمقاربة جانب من الدّراسات الغربيّة للإسلام السّياسي، واعتبر أنّ تحليل تلك الدّراسات وبعض إنتاجات مراكز البحث في الغرب يفضي إلى إمكان اعتبارها جزءاً من الخطاب الإسلاموي، من منظور تطابقها مع ما ينتجه هذا الخطاب نفسه. وعمل من ثمّ على تحديد الفترة الزّمنيّة التي بدأت فيها هذه الدّراسات بالظّهور، ولاحظ أنّها انطلقت في الثّمانينات من القرن العشرين، واعتبر أنّ ظهورها لم يكن معزولاً عن سياقات تحوّل كبرى شهدها الإسلام السّياسي بداية من الثّورة الإيرانيّة التي أعطت المثال على إمكانيّة الحكم، ومثّلت بذلك منعرجاً في تفكير الإسلاميّين وطموحهم في اعتلاء السّلطة في المجال السنّي، كما أشار إلى دور الجامعات الذي بدأ يساند شيئاً فشيئاً الخطاب الإسلاموي بعد أن تفطّن الإسلاميّون إلى أهمّية تكوين نخب جامعيّة تروّج لخطابهم علميّاًوأكاديميّاً، لطالما كانوا يفتقدون إليها من قبل، خاصّة أنّ غالبيّة النّخب الجامعيّة في ذلك الوقت كانت معلمنة وتحمل شعارات الحداثة والتّقدّم. ورصد المتدخّل استناداً إلى ذلك تزامن تلك السّياقات داخليّاً وخارجيّاً في إنتاج سند للإسلاميّين، وقد اعتمد على كتابات الفرنسي (François Burgat) باعتبارها نموذجاً، بالنّظر إلى أنّها تحفل بالشّعارات المساندة والمتعاطفة مع الخطاب الإسلاموي، وتنطلق ممّا يعبّر عنه الكاتب في مجمل كتبه من “محاولة الفهم والتفهّم” للتيّارات الإسلامويّة. وانتهت المداخلة إلى اعتبار أهمّية المساندة التي لقيها خطاب الإسلام السّياسي في الغرب، وبيّن حجم تأثير ذلك على واقع الإسلاميّين وعلى نوعيّة خطابهم طيلة العقود الماضية وصولاً إلى الزّمن الرّاهن.

وقدّم الأستاذ رؤوف دمّق مداخلة بعنوان:”علمنة الإسلام في المشروع السّوداني المعاصر”؛ انطلق فيها من فكرة عامّة أساسها أنّ توجيه النّقاش في مسألة “الدّين والدّولة” في المجال الإسلاميّ وجهة الفصل أو الوصل لم يكن عاملاً مساعداً في بناء الدّولة الحديثة ولا في تجديد الفكر الدّينيّ، بل غذّى الطّرحَ الإيديولوجيّ لدى التيّارين الكبيرين اللّذين انطلقا من أطروحة جاهزة حاولا تطويع خصائص التّراث وقواعد الانتظام السوسيولوجيّ للبرهنة على شرعيّتها ونجاعتها، فتعمّق الصّدع بين التيّار “السلفيّ المحافظ” و”التيار العلمانيّ الحداثيّ”. وبيّن في المقابل أنّه يحسن ترشيد التفكير في الخلفيّة الأصوليّة للنّصوص السّياسيّة والخلفيّة الأنثروبولوجية المميّزة للمجتمعات الإسلاميّة، والّتي “يمكن أن التقاطها من أفواه العوامّ ومن الثّقافة العالمة على السّواء”، ومن العادات والتّقاليد ومن المتخيّل المركزيّ الّذي حرّك “الإسلام السّياسيّ” وطبع فكرة “مدنيّة الدّولة”. وبيّن أنّنقطة التّماس المركزيّة بين السّياسيّ والدّينيّ في الإسلام تتمثّل في المسألة القانونيّة الّتي انشغل بها ثلاثة مفكّرين سودانيّين حاول قراءة مقالاتهم قراءة نقديّة للوقوف على المنهج “الجديد” الّذي تقترحه في مقاربة النصّ الدّينيّ وتجديد الشّريعة. وهؤلاء هم: محمود محمّد طه وعبد الله أحمد النّعيم ومحمّد أبو القاسم حاج حمد.

ثمّ قدّم الأستاذ جلال الرّبعي مداخلة بعنوان: ” في الحرّيات والحقوق: كتاب “الحرّيات العامّة في الدولة الإسلاميّة” أنموذجا”؛ بيّن فيها أنّ مصطلح “الحريّات العامّة” عند راشد الغنّوشي يضرب بجذوره في ثقافة الفقه، وكتابات الإخوان المسلمين، وأنّ لا علاقة له بمنظومة حقوق الإنسان والمواطن، النّاشئة ثمرة لعصر الأنوار الأوروبي. واعتبر أنّ الغنّوشي يقسّم العالم إلى دار كفر وشيطان، ودار إسلام وإيمان. الأولى استقلّت بالإنسان لأنّه كائن اجتماعي (مواطن) يعيش في وطن بقوانين وضعيّة، فقد بذلك حريّته. والثّانية علت به لأنّه مؤمن وخليفة الله على الأرض التي تحكمها الشّريعة الإلهيّة، فكان حرّا بقدر خضوعه للشّرع الإلهي.وخلص إلى القول إنّ الإنسان، في تفكير الغنّوشي، كائن جوهر ليس له حقّ الملكيّة لأنّ الملك كلّه للّه، والإنسان متصرّف فيه في حدود ما يقرّه الشّرع، وحتّى جسده لا يمتلكه. وإذا كان له من حقّ في الرّعاية الصحيّة جسداً، والتربويّة التّعليميّة عقلاً، وتكوين أسرة اجتماعاً، فليس يتحقّق ذلك إلاّ ضمن ما أقرّته ثقافة الفقه ومدوّنة الحديث النّبوي وتنظيرات المدرسة الإخوانيّة.

وترأّسالجلسة العلميّة الخامسة الأستاذ صابر السّويسي،وقدّم في بدايتها الأستاذ فيصل شلّوف مداخلة بعنوان: “فكرة الدّولة لدى حسن البنّا وعلاقتها بالإسلام السّياسي الرّاهن”؛أشار فيها إلى أنّفكرة الدّولة لدى حسن البنّا تتنزّل ضمن ما يسمّيه “الفهم الشّامل للإسلام”، انطلاقاً من تصوّر للحكم باعتباره من الأصول لا من الفروع، وهو تصوّر قد خالف فيه المذهب السنّي، وقام على جملة من المصادر هي: (القرآن والسنة، والموروث الفقهي، ومتغيّرات الواقع)، وكان لهذه الفكرة أثر على تيّارات الإسلام السّياسي الرّاهن فهماً وممارسة. وقد بحث المتدخّلفي فكرة الدّولة لدى حسن البنّا، وفي تصوّر مسألة الحكم لديه، وفي موقفه من الخلافة الإسلاميّة، مع التّركيز على بعض مواقع “التّوتّر” في خطابه إزاء بعض المفاهيم السّياسيّة، كما بحث في علاقة تيّارات الإسلام السّياسي الرّاهن بهذا التّصوّر، انطلاقاً من طرح التّساؤل حول مدى تعمّقها في منهج البنّا، وهل ما إذا كانت هذه التيّارات تحمل نظرة واضحة لفكرة الدّولة عموماً، خاصّة وقد وضعتها الظّرفية التّاريخية الرّاهنة على محكّ الاختبار السّياسي بخوضها تجربة الحكم.

وقدّم الأستاذ عمّار بنحمّودة مداخلة بعنوان: “متخيّل الدّولة الإسلاميّة: من المشروع الدّعويّ إلى الإسلام الديمقراطيّ”؛ سعى فيها إلى مقاربة تطوّر متخيّل الإسلام السّياسيّ للدّولة من خلال عيّنيتين تختلفان في الزّمان والمكان. الأوّل لحسن البنّا مؤسّس تنظيم الإخوان والثّاني لراشد الغنوشي زعيم حركة النّهضة التّونسيّة. وطرح من خلال المقارنة بين المشروعين إشكاليّات تتّصّل بمتخيّل الدّولة الإسلاميّة وتنوّع مسارات التّأويل التي أفضت إلى تصوّر دعويّ شرّع للنّظام النّيابيّ ودعا إلى حلّ الأحزاب وضبط مسارات الانتماء للجماعة واعتمد آليّات للاحتواء والأسلمة في مرحلة التّأسيس والدّعوة. ورصد المسارات التّأويليّة التي أفضت إلى تطوّر مفهوم الدّولة الإسلاميّة وانفتاحه على الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان بعد مسارات المراجعة والنّضج. وسعى أخيراً إلى فهم معقوليّة هذا التّطوّر ومدى قيام الإسلام السّياسي على ثوابت تؤسّس الدّولة الإسلاميّة والأسباب الكامنة وراء هذه التحوّلات التي نقلت المشروع الإسلامي من طوره الدّعوي إلى طور الإسلام الدّيمقراطي تنظيراً وتطبيقاً.

واختتمت أعمال النّدوة العلميّة الدّوليّة “الدّين والدّولة في المجال الإسلامي الرّاهن: مقاربات ومطارحات”، بجلسة حوارية حول كتاب “اللاّهوت” للمستشار عبد الجوّاد ياسين، أدارها الأستاذ نادر الحمّامي، وساهم فيها الحضور بمجموعة مداخلات حول الكتاب وعلى هامش المسائل التي تطرّق إليها، وتولّى صاحب الكتاب الردّ عليها والتّعقيب على المسائل التي تمّ طرحها. وقد شمل النّقاش تاريخيّة ممارسات التّديّن ودورها في إنشاء الدّيانات على اختلاف مقولاتها باعتبارها تمثّلات اجتماعيّة وتاريخيّة للفكرة الكلّيّة التي تتمثّلها الرّوح الإنسانيّة. كما وقع إلقاء الضّوء على الأفكار الفلسفيّة التي اهتمت بمقولات الدّين والتديّن والإيمان، والإشارة إلى أهمّية الدّور الإنساني في إنتاجها وتمثّلها في جانبها المطلق والإلهي واعتبارها خاضعة لمراحل تطوّرية تحدّدها إكراهات الاجتماع الإنساني والسّياق التّاريخي.