التديّنُ الشكلي

د. عبدالجبار الرفاعي
أعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.
ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.
تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.
وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.
وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.
وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.

الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع… بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.

منابع التديّن الشكلي
يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.
ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.
كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.
ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.
وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.

نتائج التديّن الشكلي
يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.
المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي “الأخلاقي”، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.
شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.
وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري (1)، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.
وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.
وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.
وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.
في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.
لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ‬ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.
وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.
في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) “الوسواس القهري أفكار أو إلحاحات وساوس متكررة لا يمكن السيطرة عليها. سلوكيات أو أفعال عقلية متكررة يشعر الفرد بأنه مجبر على أدائها”. مجموعة مؤلفين. علم النفس المرضي. مكتبة الأنجلو المصرية، 2016، فصل 7 “الوسواس القهري والصدمة والاضطرابات المرتبطة بهما”، ترجمة: د. ملك جاسم الرشيد، ص 399. “الوسواس القهري اضطرابٌ نفسي يشعر فيه المصابُ أنّ فكرةً معيّنة تلازمه دائمًا، وتحتلّ جزءًا من الوعي والشعور لديه بشكلٍ قهري، أي أنّه لا يستطيع التخلّص أو الانفكاك منها، مثل الحاجة إلى تفقّد الأشياء بشكل مستمر، أو ممارسة عادات وطقوس بشكل متكرّر، أو أن تسيطر فكرةٌ ما على الذهن بشكل لا يمكن التفكيرُ بغيرها. كما يعرّف الوسواس القهري بأنّه فكرٌ متسلّط وسلوك جبري يظهر بتكرار لدى الفرد، ويلازمه ويستحوذ عليه ولا يستطيع مقاومته، رغم وعيه بغرابته وعدم فائدته؛ ويشعر بالقلق والتوتر إذا قاوم ما توسوس به نفسُه، ويشعر بإلحاح داخلي للقيام به”. جيهان سيد بيومى القط. عمليات الممارسة في خدمة الفرد. حلوان – مصر: مكتبه دار السحاب، 2015، ص 179