وفاة مرسي بين مطرقة النظام وسندان الإخوان

منذ انفجار الوضع في البلاد العربية عام 2011 في إطار ما سمي جورا بالربيع العربي وما تسميه التقارير السرية العربية بالفوضى الخلاقة لتفجير الكيانات العربية من داخلها من طرف قوى خارجية بعد تهييء الأرضية الحقوقية والسوسيواقتصادية لاشتعال الوضع وتمكين القوى الكبرى من التدخل وتقسيم خارطة البلاد العربية وفق مخطط مدروس سلفا حتى يتم إلحاق آخر جيوب المقاومة من الدول التي كانت تسمى بالأمس بدول الممانعة واصبحت اليوم تسمى دولا مارقة كذا ! ، قلت منذ ذلك التاريخ وبعد سقوط نظام بنعلي في تونس ، واستقالة مبارك في مصر ، وصعود الإخوان بتتويج الرئيس الأسبق محمد مرسي رئاسة مصر ، ومصر تغلي ما بين مستفيد من وصول الإخوان إلى الحكم ، ومعارض لهم من الليبراليين والعلمانيين والفنانين والأدباء المتنورين ناهيك عن توجس العسكر من أول صعود للإسلاميين إلى سدة الحكم في بلاد الكنانة.
مرت أكثر من سنة وقعت فيها مطبات وهفوات ارتكبها مرسي وإخوانه ضد التوجه الإستراتيجي للدولة منها المس بوجه السياحة ووجه الفن وتمكين الإخوان من المناصب زحفا نحو تحويل وجه مصر إلى أفغان جديدة بأسلمة المجتمع ولو كان ذلك على حساب رغبة المجتمع وطبيعته المنفتحة على التعدد والإختلاف..
بعدها جاء الخروج الثاني للمصريين تجندت له كل القوى الحية وكل المصالح المهددة من طرف حكم الإخوان ، وذلك للتعبير عن رفضها لطريقة إدارة الإخوان لدفة الحكم بالشكل الدوغمائي دون الغوض في هموم المواطن ومحاولة حل مشاكله التي بسببها أعطت شريحة واسعة صوتها للإخوان ظنا منها أنها ستكون ؛ كمعارضة سابقة لحكم مبارك ؛ فأل خير وقوة جديدة من أجل الإصلاح والتغيير..
خرج المصريون عام 2013 ضد مرسي بعدد كبير أكبر مما خرجوا ضد مبارك ، وبالمقابل كان الإخوان وقتها يهددون بإحراق مصر ومن فيها إذا ما تم المساس بالرئيس مرسي ومن سيعود لفيديوهات البلتجي القيادي الإخواني وكذالك تهديدات قاتل الرئيس الأسبق انور السادات المفرج عنه في عهد مرسي طارق الزمر سيكتشف أن مصر وقتها كانت تغلي على مرجل الحرد السياسي بين أنصار الإخوان ومعارضيهم مما جعل من انتفاضة المصريين ضد حكم الإخوان فرصة للجيش للتدخل وعزل مرسي وتفكيك اعتصام ربيعة وسقوط ضحايا والبقية تعرفونها.
ومنذ 2013 ومحمد مرسي محبوس على ذمة قضايا محددة منها القتل أو إعطاء الأمر بالقتل والتخابر مع دولة أجنبية..الخ
لما جاء حكم السيسي استبشر المصريون أو توسموا فيه الخير لكن كان لا بد من تفكيك خلايا الإخوان التي بدأت تستهدف رجال الأمن بالقاهرة وبسيناء ودخلت الأجهزة الأمنية في المدن المصرية في حرب مع عنف الإخوان هنا وهناك ، ودخل الجيش المصري مع جماعات متشددة تهدد الأمن بصحراء سيناء.
تحركت الألة الإعلامية المصرية لمكافحة ما يسميه النظام بالإرهاب وهذا ما جعل موضوع حقوق الإنسان بمصر يعرف هزة وارتكاسا بسبب عدد المعتقلين في السجون من مؤيدي حكم الإخوان…
طبعا لن ننسى أن بعض الدول العربية المجاورة كانت ضد عزل مرسي واعتبرت ذلك إنقلابا على الشرعية ومنها تركيا وقطر. دون أن يغرب عن بالنا التوجه الإخواني لهاتين الدولتين وما لعبته الجزيرة في تأجيج الأوضاع وتضخيم خريف الغضب العربي خدمة لأجندة سقوط الأنظمة العربية وصعود الإسلاميين ؛ الذين تعتبرهم أمريكا معتدلين ؛ إلى الحكم.
اليوم يسقط محمد مرسي صريعا بسبب مرض ألم به وهو في السجن ، ومن المؤيدين له من يتهم النظام بالتسبب في مقتله ومنها قوى مناوئة لحكم السيسي كقطر بجزيرتها وآلتها الإعلامية الجبارة ، وتركيا أردوغان زعيم حكم الإخوان العثماني الذي تصفه بعض الفئات المتلبسة بلبوس الفكر الإخواني بالسلطان أردوغان.
نحن لا نعرف حدود الساعة سبب وفاة مرسي وسقوطه مغشيا عليه داخل قاعة المحكمة ، وقد تم التعجيل بذفنه على وجه السرعة حتى لا يستسبب إجراءات ذفنه الشعبية في إنزال كبير للإخوان وإحراج الأجهزة الأمنية المصرية ودفعها للمواجهة مع تلك القوى وبالتالي إتاحة الفرصة للجزيرة لتغطية الحدث على طريقتها الدراماتيكية..
لكن ما نعرفه جيدا أن قميص الإخوان ملطخ بدم مرسي بعد وفاته ، وذلك بالإتجار بوفاته سواء إعلاميا أو على مواقع التواصل الإجتماعي حتى يتم إنعاش قضيتهم من جديد بعد دحر كيانهم داخل مصر.
طبعا نحن لا ننكر أن طول محاكمة مرسي كانت قاتلة والحبس الإنفرادي مع تفاقم وضعه الصحي دون أن نبالغ في تحميل الجهات العليا بمصر مسؤولية ما وقع له دون وجود أدلة ذامغة تتيح المجال لاتهام هذه الجهة أو تلك.
لكن الأكيد أن وفاة مرسي أصبحت قضية رأي عام عربي ودولي بسبب الثقل الإيديولوجي الذي يلعبه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يحرك خيوط لعبته السياسية الإخوان المسلمون والثقل الإعلامي الذي تلعبه قطر بجزيرتها..لكن ما بين مطرقة نظام الحكم بمصر الذي تتهمه الجهات المحسوبة على التيار الإسلامي برمته ، وسندان الإخوان الذين سيتاجرون بدم مرسي كما تاجروا بدم خاشقجي ، سيصطعر التحقيق في القضية ليتخذ منحى سياسيا بنكهة دولية.
بقلم : محمد علي لعموري