المهدي المنجرة.. ما له وما عليه

منتصر حمادة

قيل الشيء الكثير عن خطاب الراحل المهدي المنجرة، في العقدين الأخيرين على الخصوص، وخاصة بعد ابتعاده عن دائرة صناعة القرار، وغالباً ما كانت القراءات النقدية تصدر عن بعض الإيديولوجيات، اليمينية والدينية، لأنه وجه إليها بعض المؤاخذات النقدية، بينما كانت الإيديولوجيات ذاتها، لا تتردد في نشر آراء المنجرة عندما كانت في المعارضة، ونخص بالذكر تفاعل المرجعية اليسارية المجسدة في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتفاعل المرجعية الإخوانية المجسدة في حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية.

لنترك هذا التفاعل البراغماتي، والمتوقع من الخطاب البراغماتي، ونترك تلقي القارئ المغربي، وبدرجة أقل تلقي القارئ العربي لأعمال المنجرة، وخاصة كتابه الشهير “الحرب الحضارية الأولى” وأعمال أخرى، حتى نتوقف عند إشارة قادمة من الخارج، في سياق تكريس الاعتراف القادم من هناك، وهو الاعتراف ذاته المتواضع عندنا بشكل عام.

قليلة هي الأسماء البحثية العربية التي ارتأت اليابان احتضانها وترجمة بعض أعمالها، ويوجد المهدي المنجرة ضمن هذه النخبة المحظوظة، وحينها، لا يمكن لوم العقل الياباني المعاصر على هذا الاحتفاء بالمنجرة، والتعامل معه.

قد يكون المسار العلمي الدولي للراحل، وتجربته في العمل مع المؤسسات الدولية، من بين أسباب هذا الاحتضان الياباني، ولو كان نسبياً، حيث تم أصبح المنجرة في سنة المدير العام لديوان روني ماهو، المدير العام لليونسكو آنذاك، في غضون 1962، كما عمل في سنة 1970 بكلية العلوم الاقتصادية بلندن أستاذاً محاضراً وباحثاً في الدراسات الدولية. وخلال سنتي 1975 و1976 تولى مهمة المستشار الخاص للمدير العام لليونسكو. وانتخب كرئيس “الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية” سنة 1981. كما شغل منصب منسق لمؤتمر التعاون التقني بين الدول الأفريقية (1979-1980). وكان عضوا بالأكاديمية العالمية للفنون والعلوم، والأكاديمية الإفريقية للعلوم، والأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب، والجمعية العالمية للمستقبل، والاتحاد العالمي للمهندسين المعماريين [الأستاذة سليمة المنجرة، كريمة الفقيد، مهندسة]، ومنتدى العالم الثالث، ونائب رئيس جمعية الصداقة بين المغرب واليابان، كما يُحسبُ للراحل أنه كان عضو سناً ضمن “نادي روما” منذ تأسيس النادي سنة 1968.

نذكر من بين أعماله، “نظام الأمم المتحدة” (1973)؛ “من المهد إلى اللحد” (1981)؛ “الحرب الحضارية الأولى” (1991، أي قبل صدور كتاب “صدام الحضارات” للراحل صامويل هنتنغتون)؛ “القدس العربي” (1996)؛ “حوار التواصل” (1996، ويُعتبر هذا الكتاب من أشهر أعماله التي حظيت برواج كبير وكان أولى أعمال سلسلة كتاب الجيب عن منشورات شراع بطنجة)؛ “مسار الفكر” (1997)؛ “عولمة العولمة” (1999)؛ “انتفاضات في زمن الذلقراطية” (2002) حيث توقع قدوم انتفاضات أو ثورات في بلدان المنطقة، ولا زلنا نتذكر صدور مجلة مغربية، عن إحدى الحركات الإسلامية، حمل إسم “منار الهدى”، حيث خصّصت ملفاً عن أحداث “الفوضى الخلاقة” (أو “الربيع العربي” حسب الاصطلاح الأمريكي)، متوقفة عند كتاب صدر في المشرق، توقع مؤلفه قدوم هذه الأحداث، دون أن تتطرق لكتاب المنجرة، على الأرجح لاعتبارات إيديولوجية، بمقتضى عدم انتماء الراحل لهذه المرجعية)؛ “الإهانة في عهد الميغاــ إمبريالية” (2004)؛ “قيمة القيم” (2007).

تشرفنا بإجراء بعض الحوارات مع الراحل، حيث أشار في أحدها ــ رداً على سؤال يتعلق بغياب رؤية تهم المستقبل ــ إلى أننا نعاني من “غياب التواصل، أو غياب “ثقافة الإنصات”، وعندما يستمع رجل الشارع إلى برامج الأحزاب السياسية، يتهيأ له كما لو أنه في حاجة إلى تعلم لغة أجنبية من أجل تفقه طبيعة هذه البرامج من فرط الغربة التي يجدها في الخطب والشعارات”، مضيفاً بالحرف: “لدي تجارب شخصية تثبت أننا نعيش فعلا أزمة تواصل بين النخب والشارع، حيث أحصيت نسبة كبيرة في المراسلات التي أتواصل بها عبر البريد الإلكتروني، أو في اللقاءات والحوارات التي تجرى معي في المكتب مع طلبة وباحثين، ووجدت أن محور النقاش يدور حول غياب التواصل مع النخب التي تتصرف كما لو أن الجيل الجديد سينافسها على المناصب والامتيازات”، مستشهداً بما جاء في كتابه “حوار التواصل” سالف الذكر، من “أننا، كعرب ومسلمين، نعاني أزمة تواصل مع الغرب، وأن هناك فجوة كبيرة في التواصل بين دول الشمال والجنوب، ولكن اليوم، اكتشفت، أنه حتى على الصعيد المحلي، نعيش أزمة تواصل بين النخبة والشارع أو الرأي العام. وهذا يفسر أزمة مصداقية هذه النخب السياسية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، وهو ما أكدته نسب المشاركة الضعيفة في الانتخابات الجزائرية والمغربية”.

سألناه أيضاً عن موضوع الانتقادات التي كانت توجه إليه، مفادها أنه كان يُروج آراءً نقديةً متشائمةً، فاعتبر أنه كان يتحدث بـ”بلغة الأرقام ومعطيات الواقع التي لا يمكن أن نصرف النظر عنها أو نتجاهلها”، لذلك غالباً ما كان يستشهد بمقولة لأنطونيو غرامشي، مفادها أنه علينا أن نتسلح بعقلانية التشاؤم وتفاؤل الإرادة من أجل مواجهة تحديات الواقع.

بحكم اشتغاله في مجال المستقبليات، فقد كان يتوقع ثلاثة سيناريوهات لدول المنطقة:

ـ يقوم السيناريو على إبقاء الوضع عما هو عليه، وهذا احتمال ضعيف؛ أما السيناريو الثاني، فيقوم على القيام بإصلاح تدريجي، ويتطلب تأملاً لأوضاع الساعة، وبالعودة إلى النموذج الياباني، فإن هذا السيناريو يتطلب شن حرب على الأمية، وتشجيع البحث العلمي وتبني برامج علمية ضخمة في الترجمة.. إلخ، معتبراً في هذا السياق أن هذا السيناريو هو الأمل الحقيقي للأنظمة العربية والشعوب على حد سواء؛ وأخيراً، هناك السيناريو الثالث، وهو سيناريو الفوضى والانفلات الأمني، وهو سيناريو تشاؤمي طبعا، وحفظنا الله من هذا السيناريو، ولكن، الطبيعة لا تقبل الفراغ وعلى النظم العربية أن تبدع في تبني الخيار أو السيناريو الثاني خدمة لمصالح الأوطان العربية.

نأتي لموضوع سبق المنجرة في الحديث عن الحرب الحضارية، وجاءت في كتاب سالف الذكر الذي تضمن مجموعة من المقالات التي تصب في هذا السياق، فعلى خلاف موقف هنتنغتون، الذي اعترف ضمن مؤلفه هذا بأسبقية المنجرة في طرح مفهوم “الحرب الحضارية الأولى”، فإن موقف المنجرة كان موقفاً “وقائياً” إن صحّ التعبير، أي أننا إذا أردنا تفادي الصدام فلا بد من خلق حوار حضاري بين شمال العالم وجنوبه. ولذلك غالباً ما كان يُحذر من أن نزاعات المستقبل ستكون بالدرجة الأولى نزاعات ثقافية وحضارية، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار التطورات والمعرفية القائمة اليوم.

أما خلافه الرئيسي مع صامويل هنتنغتون، فتكمن في انطلاق هذا الأخير من فوبيا أو خوف حقيقي من القيم الإسلامية والكونفوشيوسية، وكلها قيم غير يهودية وغير مسيحية، بما يُفسر الغطرسة الغربية في التعامل مع العديد من قضايا المنطقة، ومنها التعامل مع شعوب المنطقة التي تروم ضمان ظروف العيش الكريم من حرية وديمقراطية وحقوق إنسانية، لولا أن المؤسسات الدولية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، لا حضور لها أمام عجرفة القوة الغربية، ولذلك، سنوات قليلة بعد تأليفه كتاب “نظام الأمم المتحدة” سنة 1973، خرج المنجرة من هذه المؤسسة الأممية سنة 1976 وتخلى عن جميع حقوقه فيها من تقاعد وتخلى معه عن الاستفادة من راتبه، بعد تيقنه أن القيم التي تسير عليها الأمم المتحدة، وتخدم لصالحها، لا علاقة لها بقيم شعوب دول العالم الثالث ومنها شعوب المنطقة.

عملاً بالقاعدة النقدية للإمام مالك، ومفادها أنه “كلٌ يُؤخذ من كلامه ويُرد”، سوف نتوقف عند ثلاث مؤاخذات عابرة:

ــ أولها أن الفقيد رحمه الله، لم يتفاعل بشكل إيجابي مع دعوات الملك الحسن الثاني للعمل في صلب صناعة القرار، حيث رفض الدعوة في مناسبتين على الأقل، والحال أنه شتان ما بين توجيه النقد لدائرة القرار في حال عدم الحصول على فرص للتفاعل مع أروقة صناعة القرار، وبين رفض الطلب أساساً وتوجيه النقد.

ــ وثاني هذه المؤاخذات، أنه غالباً ما كان يُروج بعض التصريحات التي تقترب من مقام الاختزالية والشعبوية، رغم حسن النوايا وصدق المقصد، ولكن صيغة التصريح ومضمونه، لا يليق برجل يشتغل عل علم المستقبليات، ونذكر تصريحاً واحداً وشهيراً للفقيد، كان يصف القناة المغربية الثانية “الدوزيم” بأنها قناة “صهيونية” (كذا).

ــ أما المؤاخذة الثالثة، فقد تطرقنا إليها في مقال سابق، صدر في موقع “الدار”، وعنوانها غياب مأسسة أعمال الفقيد، على غرار السائد في الساحة الأوربية مثلاً، فرغم شهرة المنجرة في مجال الدراسات المستقبلية، أو الدراسات الاستشرافية، فقد رحل عنا دون أن يترك “مدرسة المنجرة” أو “مؤسسة المنجرة” أو ما يُشبه فضاء بحثي ينهل من أعماله من باب إنتاج معرفة في هذا المجال العلمي الذي نعاني خصاصاً كبيراً فيه، سواء على الصعيد المحلي أو العربي. نقول هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن شبكة العلاقات الشخصية عند الراحل، كانت تخول له ولجمهور من الباحثين والكتاب، تأسيس مركز بحثي حتى لا نقول مراكز في هذا السياق.

والله أعلم.