أجوبة أبي القاسم ابن ورد التميمي (ت 540هـ): وبؤس الانتحال التاريخي

د. خالد طحطح
صدر للدكتور محمد الشريف مقالا في مركز ألف بوسطت للدراسات بعنوان الجزر المغربية المتوسطية وبؤس البحث التاريخي الجامعي، وفيه ينتقد بأسلوب جارح وبعبارات قاسية صاحب الأطروحة، ولا يخلو سياق النقد من طرح علامات استفهام عن سبب هذه القراءة، التي أجزم أنها لم تأت في إطار البحث التاريخي، بل تقف خلفها أسباب شخصية، قد تتاح الفرصة لذكرها.
يبدأ الأستاذ الشريف قراءته بالتساؤل عن المستوى العلمي لبعض الأطاريح الجامعية التي تناقش في الجامعة المغربية في الوقت الراهن، ويطرح علامات استفهام كبرى عن مصداقية بعض اللجن العلمية المناقشة لهذه الأطاريح. وهذا الأمر يحسب له، ومن العبارات التي استعملها لوصف صاحب البحث موضوع النقد، نجد عبارت من قبيل” الضعف والخلط المنهجي” و”الارتباك”، والركاكة في الأسلوب والخلط في الأحكاك وعدم التدقيق في المحتويات، وإطلاق الكلام على عواهنه، ليخلص الى كون المؤلف لا يتوفر على العُدة العلمية التي تتيح له أن يتعامل تعاملا نقديا مع النصوص التاريخية، متهما إياه بالافتراء على التاريخ المغربي، ووقف على أخطاء إملائية ونحوية ومطبعيى في الكتاب، واصفا المؤلف بكونه لا يفرق بين الدال والذال، ولا بين التاء والثاء، زاعما أن الصور التي ألحقها بكتابه رديئة ، ليخلص في النهاية إلى أن أن البحث التاريخي بالمغرب سجل في السنوات الأخيرة تراكمات مهمة، لكنها تبقى بحاجة إلى مواكبة نقدية تساهم في ترسيخ تقاليد علمية، بعيدا عن “المجاملات” و”التزلف” العلمي. لأن النقد البناء هو ركيزة أساسية لكل تفكير علمي يطمح للتقدم والتجاوز. وإذ كنت أعلم أن نقد الأستاذ الشريف لم يكن يستهدف ما أشار إليه باعتبار المنطلقات الذاتية التي حكمت ظروف كتابته لهذا المقال، غير أننا وسيرا على منواله سنحاول أن نقف بالنقد على أحد تحقيقاته التي صدرت مؤخرا، وقبل ذلك سنبدأ باقتباسات من كتابه “إصدارت في تاريخ الغرب الإسلامي”، حيث يقول محمد الشريف: “لا مراء أن تقدم الثقافة العالمة وتطورها شديد الارتباط بالتطارح والتناظر” واعتبر أن الشأن الثقافي بالمغرب عرف انتكاسة لغياب روح السجال النقدي الذي كان سائدا خلا السبعينيات والثمانينيات، حيث اللامبالاة اليوم اتجاه ما يصدر من كتب، إذ التهادن والتساكن هو السمة، وما نعثر عليه من أدبيات نقدية لا تكاد تتخطى نطاق المجاملات والتزلف العلمي أو إنها أقرب المقالات الصحفية منها للسجال العلمي والموضوعي. الأستاذ الشريف يدعو الى نقد ما يصدر من انتاجات إذن، وقد قام هو نفسه بمناقشة عدد من الإصدارات لتقديم المثال على أهمية النقد في مجال البحث العلمي. لن نخرج عن قاعدته هذه التي سنها وسنجعل كتاباته المنحولة موضوعا للنقد على حلقات للوقوف على أكبر الانتحالات العلمية في تاريخ المغرب، وستكون البداية مع أجوبة أبي القاسم ابن ورد التميمي (ت 540هـ). هذا الكتاب صدر بالرباط عن مطبعة طوب بريس، بتحقيق الأستاذ محمد الشريف. فما قصة هذا الكتاب؟ ومن صاحب التحقيق الأصلي؟ وكيف انتحله الأستاذ المذكور وطبعه؟
الذي حقق في الأصل كتاب أجوبة ابن ورد هو الشيخ الأمين بوخبزة، وقد كان لديه مرقونا، وقع بين يدي محمد الشريف واطلع عليه، وبعد سنوات طبعه باسمه، غير أن الأستاذ الجامعي بكلية أصول الدين بدر العمراني سرعان ما سيقوم بإخراج النسخة الأصلية من التحقيق وطبعه بمعية الشيخ محمد بوخبزة بعد تدقيق التحقيق ثانية وتصحيح الثغرات. هذه سرقة موصوفة ممن يدعو للنقد ومراجعة الأعمال التي تصدر. ثم هذا التحقيق الذي نسبه لنفسه وطبعه هو عمل مشوه، جمع فيه من القبائح الكثير، من فساد في المنهج، وتخليط وتناقض، إلى فسولة في معالجة النص، وانتحال لعمل الغير. ولتجلية هذه الأمور نضع أمامكم هذا التقرير لإعطاء صورة واضحة عن عمل الشريف الهزيل.
– 1- اللحن:
في ص 6 : كتب الأستاذ الشريف” أَلِّفَتْ، كذا ضبطها. والصواب: أُلِّفَتْ، بالبناء للمجهول.
في ص33: وهي عبارة يُفهم منها أن السائلين كثّر. والصواب: كُثُر.
في ص53: كما نقف على معلومات بخصوص الملكية العقارية الكبيرة المساحة. والصواب: كبيرةِ المساحةِ أو الكبيرةِ مِساحةً. لأنه لا تجتمع الإضافة مع أل التعريف؛ بل أحدهما يغني عن الآخر في أداء المهمة. وفي ص 57: رجل زنت أَمَتَهُ.. كذا ضبط الكلمة الأخيرة. والصواب: أَمَتُهُ، بالرفع لأنها فاعل… وفي ص61: ولكننا وجدناه مثبت.. الصواب: مثبتاً لأنه حال منصوب.
– 2- خطأ إملائي:
في ص58: رجل تزوج إمرأة.. والصواب: امرأة بدون همزة.
– 3- تناقض:
في ص 9: قال: وقبل (كوننكسفيلد) كان العلامة الفقيه محمد بوخبزة قد نسخ الأجوبة بخطه سنة 1989، اعتمادا على نفس النسخة التي عرّف بها المستشرق الهولندي.
في حين قال في ص61، معرفا بالنسخة الأولى: فُرغ من نسخها عشية يوم الأربعاء 22 من شهر محرم من عام 1017هـ. وهي النسخة التي قام بنسخها والتعليق عليها العلامة محمد بوخبزة، وقد رمزنا إليها بحرف أ.
لو رجعتم إلى نموذج النسخة أ لعلمتم أن تلك النسخة مغايرة للنسخة التي اعتمدها الشيخ محمد بوخبزة لأنها ناقصة لا تحتوي على “كتاب أمير المسلمين علي بن يوسف إلى القاضي ابن ورد والمشاورين بغرناطة”. ومثلها النسخة ب. والدليل على ذلك أن المحقق لما بلغ للملحق الأول المشتمل على الكتاب. اكتفى بالمقابلة مع المعيار فقط لأنه وحده المشتمل على الكتاب على العكس بالنسبة للنسختين أ و ب. فانظر وتأمل الكذب المكشوف، والتخليط الفاضح.
– 4- تعمية:
في ص 10: قال: وحينما حصلت على نسخة ثانية مخطوطة من أجوبة ابن ورد، لكنه لم يفصح عن المصدر، الذي هو الشيخ محمد بوخبزة، الذي استغل عمله، وسرقه دون أن يشير. وفي ص40: اقتبس كلاما للشيخ بوخبزة، وعلق في الهامش بقوله: من تعليق –غير منشور- للعلامة محمد بوخبزة على محتوى أجوبة ابن ورد. والحقيقة: وهو من مقدمة تحقيقه للأجوبة غير أنه لم يصرح بذلك.
– 5- في ضبط مدينة المَرِيَّة:
نجده في مقدمته يضبط اسمها هكذا: ألمرية على غرار النطق الإسباني الآن، في حين أنها كانت تضبط على عهدها الإسلامي الزاهر: الْمَرِيَّة -بالفتح ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها- يجوز أن يكون من مرى الدم يمري إذا جرى، والمرأة مرئية، ويجوز أن يكون من الشيء المري، فحذفوا الهمزة كما فعلوا في خطية وردية. معجم البلدان (المرية) 5/119
ويشهد لذلك ماقاله الشعراء الأندلسيون، منهم: أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي القائل: [الطويل] متى تلحظوا قصر الْمَرِيَّة تظفروا — ببحر ندى ميناه در ومرجان
وتستبدلوا من موج بحر شجاكم — ببحر لكم منه لجين وعقيان
معجم البلدان (المرية) 5/119
وأبو عبد الله محمد الحداد الشاعر المفلق الأندلسي القائل: [البسيط] يا غائبا خطرات القلب محضره — الصبر بعدك شيء ليس أقدره
تركت قلبي وأشواقي تفطره — ودمع عيني آماقي تقطره
لو كنت تبصر في تُدْمِيرَ حالتنا — إِذاً لأشفقت مما كنت تبصره
فالنفس بعدك لا تخلو للذتها — والعيش بعدك لا يصفو مكدره
أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف — على الْمَرِيَّةِ والأشواق تظهره
معجم البلدان (تدمير) 2/19.
إذن، المَرِيَّة بوزن: المَزِيّة، ولأجل ذلك سمى أبو جعفر أحمد ابن خاتمة كتابه في تاريخ المدينة: مَزِيّة المريّة على غيرها من البلاد الأندلسية.
– 6- تخليطه في الأسماء:
في ص16: قال: كما صحب بالمرية أيضا أبا محمد العسال الزاهد الطليطلي.
قلت: الصواب: ابن العسال، لا العسال فقط، وهو: أبو محمد عبد الله بن فرج المعروف بابن العسال الزاهد اليحصبيالطليطلي، المتوفى سنة 487 هـ (الوافي بالوفيات 5/452.)
والصفحة نفسها، قال: ودرس ابن ورد علم الأصول على يد أبي محمد سابق الصقلي (ت 493هـ).
والصواب: أبو بكر محمد بن سابق الصقلي (الصلة 197.) . وفي ص18: قال: كما حدث أبو محمد بن عبيد الله بالناسخ والمنسوخ. والصواب: حدثه، واسم الشيخ الكامل هو: أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله بن سعيد بن محمد بن ذي النون، الرعيني، الحجري، الأندلسي، المريي، المالكي، الزاهد، نزيل سبتة. المتوفى سنة 591 هـ (التكملة لكتاب الصلة 2/278. سير أعلام النبلاء 21/252-255). وقبل هذا من نفس الصفحة ذكر أبا علي الصدفي، ثم قال: وإضافة إلى هؤلاء، ورد ذكر شيخ آخر له. هو: علي بن بسكرة (450هـ).
لن تظفر بهذا الاسم حتى ولو بحثت ونقبت لأنه غير موجود، والظاهر والله أعلم أنه محرف عن ابن سُكَّرَة، لقب أبي علي الصدفي. خصوصا وأن التاريخ المذكور لا يناسب ابن ورد المولود سنة 465هـ. وفي الصفحة نفسها قال: كما روى عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وعزاه لشجرة النور الزكية. وهذا غريب لم يقله أحد ممن ترجم لابن ورد، ولو رجعتم إلى شجرة النور الزكية عند كل من ترجمتي ابن ورد والباجي، لن تجدوا أثرا لهذا الأمر. والصواب أنه يروي عن الباجي بواسطة أبي علي الصدفي. والله أعلم.
في ص21: ذكر من شيوخه: ابن سعيد الأوسي. هكذا مجردا. واسمه الكامل هو: صالح بن عبد الملك بن سعيد الأوسي من ساكني مالقة يكنى أبا الحسن (ت 574هـ (التكملة لكتاب الصلة 2/221-222.). وفي ص37: قال: دون أن يغفل الإشارة أحيانا إلى ما أفتى به في المسألة ابن القاسم أو سحنون أو أبي زيد…. والصواب: ابن أبي زيد.
– 7- غلط لغوي:
في ص 38: قال: كما نجده في استشهاده بالنصوص الحديثية يعرض عن أسانيدها. ويميل إلى الاختصار في عرض الأدلة الحديثية. فيكفي بتجميعها في لفظة “المتحصل من الآثار”. والصواب الذي لا محيد عنه أن يقول: فيكتفي بتجميعها في لفظة “المتحصل من الآثار”. وفي ص 39: قال: ويمكن القول أنه بالرغم من صغر حجم …والصواب: أن يقول: ويمكن القول إنه … بكسر همزة إن لورودها بعد القول.
– 8- المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور:
لقد سبقت الإشارة إلى أن الرجل اعتمد نسخة الشيخ بوخبزة من تحقيقه دون أن يشير إليها، وهذه سرقة موصوفة يجب أن يعاقب عليها، ورغم ذلك قال دون حياء أو حشمة في المقدمة ص61: وقد طعمنا النص ببعض التعليقات والحواشي الضرورية كما قمنا بترقيم مسائله. والحقيقة بل إن أغلب التعليقات والحواشي خصوصا التخريج من بنات أفكار الشيخ بوخبزة، وحتى الترقيم له أيضا. وللتدليل على ذلك نذكر أمثلة: تخريج حديث “لا تكونوا عبابين” ص80. ورقة 5. وفي معنى وقذه: أوجعه وتركه عليلا ص81. ورقة 5. وقوله: في المعيار “ومن جهاز مهرها به” وهو تحريف. ص71. ورقة 2.
– 9- تحريفات في النص:
في ص73: فإنه لا حنت على الأب. والصواب: حنث بالمثلثة. وفي ص77: إذا كانوا أمناء تقاة. والصواب: ثقات. وفي ص 82: كصيد الزرازير والحجاب.. والصواب: الحَجَل. كما في النسخة أ المعتمدة عنده. وفي ص84: وحشارة الناس. والصواب: ومشارّة بالميم. وفي ص150: وقد أراح الرأي. والصواب: وقد أراه الرأي. وفي ص 151: طريق الخد وثمر ومكن. والصواب: طريق الحذر من تمردهم. وفي ص156: أو يرثه أهل موداه. والصواب: … مودته. وفي ص156: إذ كانت الأحباس. والصواب: إذا… وفي ص 159: أو على طريق الإحساب. والصواب: … الاحتساب.
– 10- سقط في النص ولم ينتبه له لاعتماد المدعو الشريف على نسخة الشيخ بوخبزة، وعدم مقابلته بالنسختين الأخريين:
في ص84: ضبط هاتين الكلمتين: إن الأولى بضم العين غير المعجمة وتشديد الراء أيضا، والنص بتمامه كما في النسخة أ المعتمدة عنده كذبا وزورا: ضبط هاتين الكلمتين: إن الأولى بضم العين غير المعجمة وتشديد الراء، [يُراد بذلك ما يعر؛ أي: يشين، والثانية: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء] أيضا.
– 11- زور وكذب وبهتان محمد الشريف في دعوى اعتماده على النسخة أ:
من ذلك ما في الصفحة 119 عند المسألة 62: وكيف إن دفعه فيما نفسه. وفي النسخة أ: وكيف إن دفعه فيما [في] نفسه. بزيادة ما بين معقوفين. وهو لم يشر إليها.
– 12- تعليق لا محل له من الإعراب
في ص121: علق في الهامش بقوله: ذكر الواقدي أنه “لما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه حتى إذا دنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم…” إلى آخر ما قال عن مقتل أبي من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا محل له هنا لأن المسألة 65 تتحدث عن سيف علي لا مقتل أبي. فليعلم.
– 13- حديث لم يخرجه:
حديث “من مشى إلى طمع” قال: لم أجده الآن فيما بين يدي من مصادر.
قلت: والحقيقة أنه لم يجده مخرجا في نسخة الشيخ بوخبزة الأولى لأنها كانت مسودة، والحديث أخرجه ابن الأعرابي في معجمه [رقم: 2268] وتمام في فوائده [رقم: 1537] عن عبد الله بن مسعود كما سيأتي بيانه في تحقيق محمد بوخبزة و بدر العمراني.
لقد صدر الكتاب في النهاية بتحقيق ودراسة ومشاركة الأستاذ الجامعي بدر العمراني مع الشيخ محمد بوخبزة، وهو تحقيق دقيق ومضبوط، مراجع وفق القواعد المتعارف عليها في ضبط النصوص، وقد صدر عن الرابطة المحمدية للعلماء، وبذلك سقطت عن الأستاذ المنتحل ورقة التوت.