بؤساء فيكتور هيكو بالمغرب

من قرأ عالمية فيكتور هيكو العالمية يرتوي من حوض المأساة والمعاناة ويتعلم كيف أن الأدب يعبر صدقا عن حال الناس مادام صدق العبارة وقوة التخييل واستلهام القصص من وحي الواقع من مستلزمات كل أدب رفيع.
لست بصدد عرض محتوى الرواية وتقريب أحداثها إلى القراء الأعزاء ، وإنما قمت بعملية إسقاط متعسفة لكنها مسعفة لعملية تقريب للصورة كما تم عرضها كمعاني وقيم داخل الرواية الشهيرة ، وبين واقع مرير يعتمل داخل المجتمع المغربي وخاصة بالعاصمة الإقتصادية.
وقد يسأل سائل : وما وجه القرابة أو التطابق بين رواية هيكو وبين الواقع المغربي ؟
سؤال وجيه سيجيب عنه هذا المنشور.
لقد تبادر إلى ذهني منذ مدة قصيرة أن أكتب عن العديد من الناس المقهورة والبؤساء المغاربة وأصحاب الفاقة من المعدمين والمكلومين الصامتين الذين لا حول لهم ولا قوة..أغلبية صامتة وأناس معذبون في الأرض ، فرضت عليهم ظروف الحياة أن يعيشوا الفقر المدقع في أكبر عاصمة إقتصادية بالمملكة الشريفة.
ما معنى أن تعيش الفاقة والفقر في عصر العولمة وفي القرن الواحد والعشرين ؟
حين أصعد إلى الحافلة متوجها إلى مقر العمل أجد أمامي ومن حولي وجوها عابسة متجهمة هائمة في بحر من البؤس الذي تعكسه تقاسيم المحيا. أجد عنفا وتأففا بين الناس داخل حافلة تقلهم جميعا نحو وجهات مختلفة وكل واحد له محطة سينزل فيها لكن بعد أن يكون قد عاش لحظات من الضيق والتضايق دون أن يكون قد ألقى التحية على أحدهم أو حادث شخصا بجانبه أو ابتسم ابتسامة ود وأخلاق في وجه أخيه الإنسان !
حين أجلس بمقهى شعبي وغالبا ما افعل ذلك كل يوم من أجل ارتشاف القهوة وقراءة جريدة أو كتاب ما ، أصطدم بعدد غفير من الشحادين والسعاة وراء الصدقة طلبا لدراهم معدودات وهم فيها من الطامعين. منهم المحتاج ومنهم الممتهن لهذه ” الحرفة ” ويتفنن في تأديتها على أكمل وجه سواء في الطرقات أو على جنبات المقاهي أو داخل الحافلات..
وعلى ذكر الحافلة هناك نوع من الشباب القاصر والبالغ يبيع أشياء ثمنها ومداخيلها لا تسمن ولا تغني من جوع : مناشف اليد من الحجم الصغير ، شوكولاطة عادية ذائبة وأغلفة البطاقات..الخ من هؤلاء التلاميذ واليتامى والمتخلى عنهم وذوو العاهات ومن يتصنعها وخريجو السجون…الخ
على الطريق تجد شبابا يلهث وراء نساء يطلب منهن الإعانة ، ومنهم من يريد بيع أشياء لا قيمة لها بالقوة ، وهناك باعة متجولون لا ينضبون لا يكاد يغادرك أحدهم حتى يحل مكانه بائع آخر يحمل منتوجا آخر مع ما يخلفه ذلك من إزعاج وأسى في النفوس سواء للمارة أو لمرتادي المقاهي الجالسين على كراسيها الواقعة خارج المقهى.
فوضى عارمة تكتسح الفضاء العام ، الكل يريد العيش بشكل أو بآخر محاولة منهم للبقاء على قيد الحياة.
ما يدعو للغرابة أن هناك منهم من له أسرة يعولها وتجده يبيع ما يعود عليه بدراهم لست أدري لم تصلح في هذا الزمن الأغبر الذي لا قيمة فيه لورقة نقدية من فئة مائة درهم فبالأحرى بضع دريهمات !
فكيف في ظل كل هذا البؤس المحيط بمجتمع مترنح داخل فوضى سوسيولوجية ألا يحترف شباب بائس يائس الجريمة أسلوبا للحصول على المال من سرقة بالعنف والنصب والإحتيال..؟
السجون المكتضة تنطق بشهادات بأرقام مخيفة ، والميزانية المخصصة للسجون تفوق التصور وهي عبء ثقيل لا طائل منه نعيد به إنتاج نفس المقاربة العقابية في سلسلة متواصلة من الجريمة والعقاب بعيدا عن رؤية إصلاحية تنهض بتنمية بشرية بروح الإنقاذ والإحتواء ، حتى لا نجد كل هذه الظواهر المستفحلة تتنامى ، وحتى لا تنفجر في وجوهنا يوما بعد خروج الذين ليس لديهم ما يخسرونه خروج المارد من قمقمه مهددا بحرق الأخضر واليابس..
إن بؤساء المغرب يشبهون بؤساء رواية فيكتور هيكو سوى أن بؤساء الرواية مستلهمون من حقبة زمنية أخرى وداخل سياق عاشت فيه أوربا حروبا ومجاعات وأوبئة ، بينما بؤساء المغرب ينظرون اليوم إلى أوربا على أنها الخلاص والجنة والإيلدورادو الموعود..فهم فئة عريضة تخلت على أن تعيش حياة كريمة ولم يعد بمقدورها الجهر بمطالبها المشروعة في العيش الكريم والعمل الشريف والسكن اللائق والرعاية الصحية المناسبة..فقدوا الثقة في الساسة ومضوا يسعون فوق الأرض هائمين بؤساء فقراء حقراء لا يلوون على شيء سوى فتات الموائد وصدقة الإحسان وجود القربى إن وجدوا ، ومداخيل هزيلة من قاعدة ( تحركوا ترزقوا )..
فإذا كنت تجوب شوارع المملكة لتعثر كل صباح على بشر يأكلون من القمامة ويبحثون عن الخبز المتخلى عنه ويجمعون القنينات البلاستيكية ويلتقطون أي شيء يعثرون عليه داخل حاويات القمامة والازبال فانتظر الكارثة والطاعون من جديد. فؤلاء هم بؤساء المغرب دون أن يجدوا أديبا من حجم فيكتور هيكو يكتب عنهم.
بقلم : محمد علي لعموري