أبو قتادة الفلسطيني قارئا الجابري: حين يقرأ العقل السلفي كتاب الفيلسوف

نور الدين الحاتمي

معلوم أن أبي قتادة الفلسطيني يوصف بأنه شيخ الجهاديين وزعيمهم الروحي بدون منازع، وقد اشتهر بفتاواه الدموية، التي كان يصدرها دعما لفصيله في الحرب الاهلية الجزائرية، في حقبة التسعينات، والتي، على رأسها، تلك التي اباح فيها قتل النساء والذرية من اهالي المنتسبين للجيش والشرطة في الجزائر، والتي ظل عاجزا عن التأصيل لها وإثبات شرعيتها من النصوص الدينية.

عرف ابو قتادة الفلسطيني بمواقفه الحدية والشديدة من المخالف، ليس فقط من المثقفين[[ العلمانيين]] وانما،ايضا، من الدعاة والمفكرين الاسلاميين،الذين كانوا قد تشبعوا بالمعرفة الانسانية و تشربوا الفكر الفلسفي، وعقد لهم محاكمات، بالجملة، في كتابه الشهير [[الاجتهاد والاجتهاد]] ورماهم فيه، بالزندقة والردة والأرأيتية الانهزامية. ولم يسلم منهم من الاسماء الوازنة انذاك احد.

أبو قتادة الفلسطيني هذا، وفي تطور لافت يحسب له، انفتح على الانتاجات الفكرية التي صدرت وتصدر عن النخبة المثقفة، العربية والاسلامية، قديما وحديثا، وصار يقوم بقراءتها وعرضها على متتبعيه وانصاره. وهو يتناول في مشروعه[[ الف كتاب قبل الممات]] الكتب، من مختلف المشارب والتوجهات، ولا يقتصر على الكتب الاسلامية او التي كتبتها اقلام اسلامية.

غير أن ابا قتادة، وعلى الرغم من قراءاته، التي تبدو مسهبة وغزيرة، الا انه لم يقدر على تجاوز السياج [[الدغمائي]] الذي ظل اسيرا له زمنا، وكان واحدا ممن اسهم في صياغته وإتمام بنائه.

وحين نقول انه، فيما يبدو لي، لم يفد من هذه القراءات كثيرا، اللهم الا ما اثمرت من تليين بعض العبارات وتلطيفها، اثناء تناوله لبعض الاسماء التي كان يكثر من الاساءة اليها والطعن فيها، مع تعريفه بالنخبة المثقفة العربية وعرضها على أبناء هذا التيار، الذي لا يبدو عليه أنه يهتم بالثقافة أو يحتفل بها،حين نقول ذلك، فإننا لا نبالغ ولا نخطئ الصواب، ويكفي ان نرى الطريقة التي عرض بها كتاب[[ بنية العقل العربي]] للمرحوم محمد عابد الجابري لنتأكد.

فأثناء عرضه لهذا الكتاب اشار الى موقف، حميد في نظره، يتخذه بعض الاسلاميين من خلال تجاهلهم لهؤلاء المفكرين،وهو دائما يهزأ بوصف المفكر ويسخر منه، وقال ان الاعلام هو الذي يجعل منهم شيئا، وهم لا شيء و[الضجيج الذي يصنعه العلمانيون اكثر من حجمهم] حسب عبارته.

اعترف ابو قتادة بأن الحديث عن الجابري ومشروعه حديث شاق بالنسبة اليه، وأشار الى ان الاسلاميين الذين يتأثرون به، هم من تيار النهضة،وهو محق في هذا، فلا يمكن ان يقرأ الجابري ويستوعبه احد، ويظل[ سلفيا جهاديا]، إذ الانفتاح على انتاجات الجابري ونظرائه يقود بالضرورة الى الاقتراب من طريقة تفكير مثقفي النهضة ومفكريهم أو تجاوزهم. كما أن تجاهل من هو في منزلة الجابري والاعراض عن كتاباتهم تقود بالضرورة الى الردة عن التاريخ.

وعرض في درسه ذاك، ردود جمع من المثقفين على الجابري،منهم جورج طرابيشي، وقال ان هذا المفكر،طرابيشي، كان مطلعا على التراث اكثر من الجابري، وانه انتصر له ورد اليه اعتباره،وبين ان انتاج الجابري هذا عبارة عن تلفيقات غير موفقة من الكتابات الفرنسية، وان مصادره، أي الجابري، ليست من الاصالة في شيء، وانها لا تصلح الا للعامة،وانه كشف عيوب الجابري ونواقصه الفكرية والعلمية بالتراث.

كما تناول رد طه عبدالرحمان على الجابري في كتابه[[ تجديد المنهج في تقويم التراث]] وقال انه ذهب، في نقده له، الى مقتله، ووقف على ان هذا الفيلسوف المسلم، كما وصفه اعترض عليه في تفتيته للتراث وتقسيمه الى عدة قارات، في حين ان هذا الاخير قارة واحدة و متماسك.والصحيح، أن هذه الملاحظات ليست من بنات أفكار الشيخ،وإنما هي أفكار يشترك فيها جل القراء، ويتناقلها النقاد، ولم يستفدها ابو قتادة وحده ومن اجتهاده.

وقد بان لي، ان معرفته بالموضوع هزيلة وضعيفة الى ابعد الحدود، وانها لا تكاد تتجاوز المعرفة الصحفية البسيطة والساذجة،حيث اكتفى بعرض بعض ملاحظات النقاد العرب عل مشروع الجابري وقراءاتهم لجزئياته، بل، وعرض لها ببعض الاستهزاء والاحتقار والاتهام،كما هي عادته، ولم يأت على مناقشة الكتاب مناقشة مفيدة، ولم يقف على اية نقطة، من شأنها، ان تضيء النقد او توضحه، وتوقف على نوايا الجابري وتركز على انه لم يكن يستهدف اكتشاف اهمية التراث، وانما يقوم بعملية غربلة لاختيار الشخصيات التي تلائم العصر.

وكأن في هذا الأمر ما يعيب، الجميع يفعل ذلك. وماذا يفعل التيار السلفي ؟اليس يختار طائفة من الأسماء والأعلام ويفرضها ملائمة للعصر؟ بل و يخلق منها أصناما لا يجوز الخروج على اختياراتها ومذاهبها

يجهل أبو قتادة، أو يتجاهل، أن ما حمل طرابيشي على التصدي[ لجبروت] الجابري والرد عليه، لم يكن الانتصار للتراث ولا لحقيقته، ولم يكن يتطلع للمعرفة الخالصة، وانما حمله على ذلك غضبه وحقده الشخصي على الجابري، حيث كان هذا الاخير، قد تربع على عرش العقلانية العربية، وفرض نفسه كمفكر متفرد، وكرس، في كتاباته، تفوق الفلسفة المغربية على نظيرتها المشرقية من خلال توظيفه لمفهوم[[ القطيعة الابستمولوجية ]] مما اثار حفيظة طرابيشي ونذر نفسه للرد عليه والاطاحة به من على عرشه.

وإذا كان جورج طرابيشي،من خلال مشروعه[[ نقد نقد العقل العربي]] أبان عن انه مفكر كبير، وانه تحصل له اطلاع واسع على القارة التراثية، فهذا لا يعني شيئا بالنسبة للجهد الجبار الذي قام به الجابري.

وما اختيار طه عبد الرحمان له للرد عليه، في معرض بيانه لقصور الادوات المنهجية التي يتم بها تناول التراث، إلا اعتراف واضح وصريح بهذا الجهد، لأن مشروع الجابري خير من يمثل نقد التراث. خاصة وان طه عبد الرحمان اكد ان الجابري كان اول من نبه الى ضرورة تناول التراث في كليته، والنأي عن التجزيئية، التي لا يكاد يسلم منها مفكر عربي.

واكاد أميل إلى أن جل من جاء بعد الجابري، او نقده، كان عالة عليه وأسس عليه، وفضل الجابري على الباحثين العرب لا ينازع فيه اثنان، بمن في ذلك المفكر الراحل جورج طرابيشي.

والطريقة،التي صاغ بها طرابيشي مشروعه في الرد على الجابري، لم تكن تستهدف بيان عظمة التراث ولا اهميته، و طرابيشي غير معني بهذا الأمر إطلاقا، اية ذلك، انه وصف اهتمام المثقفين العرب ومفكريهم بالتراث وعودتهم اليه ب[[الرضة ]]

لم يستوعب أبو قتادة الفلسطيني، لما قام طرابيشي بكل ذلك الجهد للرد على الجابري، وملاحقة، ما افترضه هو، اخطاء وخطايا، اقترفها الجابري، بحق التراث.

والحق، ان الاشكالات،التي توجه طرابيشي اليها في سياق تناوله لمشروع الجابري بالنقد والنقض، من مثل وحدة العقل العربي، وعدم انسلاخ العقل المغربي الاندلسي عن نظيره الشرقي وانفصاله عنه، من خلال توظيفه[ للقطيعة الابستمولوجية]، التي كان المرحوم الجابري واضحا فيها.تبين أن حدة رد طرابيشي على الجابري لا يمكن تفسيرها ولا تبريرها في المعرفة.

لقد نقم طرابيشي على الجابري، انتصاره لعقلانية الفلسفة المغربية الاندلسية، ودعوته الى الاخذ بالنموذج الفلسفي،الذي شيده ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون، والبناء عليه، وسعى،بمقابل ذلك، الى اثبات ان النموذج المغربي والاندلسي، ممثلا في هذه الاسماء، لم ينفصل عن اصوله المشرقية، وسار، في سبيل اثبات دعواه،على نفس المنهج، اذ نقب في التراث، وقام باختيار مجموعة ضخمة من الشواهد، يستدل بها على صدق فرضياته ودعاويه، تماما كما فعل ويفعل غيره.

وعندما تناول ابو قتادة كتاب[[ بنية العقل العربي]] ليقف على ملاحظاته هو، لم يأت بشيء، وانما كشف عن انه غير قادر على قراءة هذا النوع من الكتب، فسجل ان الجابري طعن في العربية اذ لا حظ ان اللغات التي تكتب حركاتها معها تقرأها لتفهمها، بخلاف اللغة العربية التي لا تكتب حركاتها معها فهي تقرأ[بضم التاء]لتفهم.

واعترض على هذه الملاحظة الذكية من الجابري، وفهمها على اساس انها تعريض باللغة العربية من قبل هذا الفيلسوف، وزعم ان ميزة العربية هذه دليل عظمتها وتفوقها، ولا ندري لماذا كانت ملاحظة الجابري بشأن هذا الموضوع تعريضا باللغة العربية وطعنا فيها؟ إن اللغة العربية [المقدسة] تفهم لتقرأ، أي يجب فهمها أولا لتقرأ قراءة سليمة وصحيحة ثانيا.وهذه حقيقة لا غبار عليها.

قال أبو قتادة أن الجابري لم يأت بمثال على دعواه. وأحسب أن هذا الامر لا يحتاج إلى الشاهد، وإلا كيف نقرأ هذه الاية [إنما يخشى الله من عباده العلماء]، إن قراءتها، بشكل سليم يقتضي فهمها اولا، فلو لم نفهم أن العلماء هم الذين يخشون الله، لقرأنا الاية، بصيغة يفهم منها أن الله هو الذي يخشى العلماء.

ومثل هذه الملاحظة تبين عجز العقلية السلفية عن فهم انتاجات مفكرين كبار، من عيار الجابري.

واذا كنا تناولنا في هذه الورقة طريقة قراءة ابي قتادة الفلسطيني للجابري، فلاعتقادنا، ان هذا الرجل يعتبر، من جانب التيار السلفي الجهادي، هو رجل العلم الاول عنده، وبالتالي فان بياننا قصور استيعابه لكتاب من كتب الجابري، هو دليل قصور العقل السلفي وسطحيته. وهو مظهر من مظاهر النفور القائم بين الفكرة السلفية والفكرة الفلسفية والتضاد الحاصل بينهما.

إن القطع مع الأسلوب السلفي في التفكير، شرط أساس، لاستيعاب العقلانية والانخراط في روح العصر.