تفكيك خطاب العقل الأكاديموي المتنشط

“حيلة” خلط الأوراق والتلبيس على الجمهور … (حسن نافعة أنموذجا)!!
——————————————————-

الخطاب الذي يصر الدكتور حسن نافعة Hassan Nafaa أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة على تعميمه في كتاباته، يتسبب في حدوث الحيرة للمتلقي؛ الذي قد لا يمتلك حظا من القدرة على القراءة السياسوية العميقة؛ في ضوء انتشاره كاتبا، ممهورا بحرفي (ا.د)ببعض الصحف العربية؛ وحضوره في القنوات الفضائوية المتأخونة مثل الجزيرة والشرق؛ فضلا عن صفحتيه في “تويتر” و”فيس بوك”.

*****

فالدكتور نافعة، وفق عادة بعض الكتاب خلال العقد الزمني الأخير من مرحلة حكم حسني مبارك لمصر؛ وما أعقبها من أحداث “ربيع الفوضى”؛ كان يحاول تعميم بناء صورة ليبرالية لحضوره؛ غير أنه كثيرا ما كان؛ ولا يزال يتعثر في أفخاخ التصنيف؛ فلا يحصل على مراده باعتباره من الليبراليين؛ فيما يظلم في الوقت ذاته صورته كأكاديموي في العلوم السياسوية؛ يفترض أن يكون متحررا من أسر الانتمائوية التي تختبئ في دوافعه الموقفية؛ ويهتم ببناء الوعي بحركة الأحداث وتطوراتها، من منظور علموي بحت؛ ويضع أصبعه على مكامن الخلل؛ الواجب أن يتولى التعرض البحثي إليها.

لكن نتيجة الموقفية “الرجراجية” التي يضع الدكتور حسن نافعة نفسه فيها – إذا لم تكن لديه قصدية بذلك – فهو يندرج في مواقع التوصيف الانتمائوي؛ وتسند إليه الرغبة – حسب تدويناته – كما يشاع لآداء آدوار تتعلق بخلاص “الجماعة البنائية المتأخونة” من مأزقها الوجودوي الراهن في مصر، كجماعة موصوفة بالإرهابية.

ومن البين لذلك، يمكن أن تكشف “القراءة التفكيكوية” لأحدث تدويناته بحسابه في موقع التواصل الاجتماعوي “تويتر” نوعية المربعات التي يتحرك في إطاراتها. حيث أن المضمر المستتر في خطابه يحدد ماهية نمطويته السياسوية؛ ومحركات انفعالاته؛ ومستهدفه السياسوي، مهما كانت براعته في الاختباء، وقدرته على المناورة كبيرة.

*****

إن هذه القراءة، تكشف من النتائج المؤلمة ما يجعل القارئ يتوقف متأملا في خطاب التداعي السياسوي؛ الذي تكشفه عباراته وحروفه ودوافع كتاباته؛ ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن يجسد حضور أستاذ العلوم السياسوية؛ من المفترض أن يقدم فقط ملامح خطاب متمكن؛ ومنطقي وموضوعي؛ غير مضغوط عليه بفواتير الانتماء؛ لكي يبدو منطقويا وعلمويا في القراءة والتحليل.

لكن الدكتور حسن نافعة تراه يفشل ببراعة، حين نقرأ خطابه عبر تفكيك أدواته التعبيرية؛ مفردات وعبارات وسياقات؛ ظاهراتيا معلنا ومسكوتا عنه مضمرا. ولكي لا نظهر في صورة من يظلم خطاب الدكتور نافعة؛ علينا ممارسة “القراءة الموضوعية” لتغريدته الأخيرة؛ في صفحته بـ “تويتر”؛ والتي يقول بحروفها:

[ الاستقبال الحار لأمير دولة قطر في واشنطن ليس سوى حلقة في مسلسل الابتزاز الأمريكي المتواصل لدول الخليج العربي: ماليا, باستنزاف ثرواتهم, وسياسيا: بدفعهم للارتماء في أحضان إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية, لا فرق بين نظام عربي وآخر, فكلهم في “الهوا سوا”, فمتى تفيق الشعوب العربية]!!

والعقل التفكيكوي حين يقرأ هذه التغريدة من أستاذ علوم سياسوية، يطمح للاستفادة منها على صعد متعددة؛ غير أن النتائج كانت محزنة!

*****

ليس المطلوب من الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية أن يقدم في سياق “التعبير التويتري” دراسة مطولة عميقة؛ تتحدث عن المفاهيم وتطبيقاتها بمرجعياتها التوثيقية؛ ولكن المفترض أن يقدم القراءة المدهشة؛ والمقامة على التحليل المتولد من ثقافته التخصصية؛ فيقدم الكشف العميق الذي يضيف للقارئ؛ ويفتح أمامه آفاقا واسعة؛ أو غير مطروقة حين التعامل مع المستجدات والتطورات بإحداثياتها؛ وما تبرزه “علوم التحليل السياسوي” من قراءات تغادر المستوى السطحوي المجاني إلى العميق الدال كأستاذ جامعي.

فهل تكشف القراءة التفكيكوية لتغريدة د. حسن نافعة ذلك المتمنى المعرفي المطلوب؟ هذا لم يحدث؛ وإنما تجد منه إفراطا في إطلاق الأحكام؛ وبناء المواقف غير الموضوعية؛ والتي تصل إلى الدرجة الشعبوية في القراءة والتعبير؛ لعلها تقنين لإثبات موقف يدور حول حواف موضوع سياسوي محدد؛ وفق التفكيك التالي:

*** أولا: يصف الدكتور نافعة استقبال أمير قطر تميم بن حمد في واشنطن بـ (الاستقبال الحار). وبصرف النظر عن “معيار الحرارة” التي لمسها وشعر بها؛ فإن هذه التوصيفة تلقي في روع المتلقي أن الأمير القطري حظي بتمييز برتوكولي فائق بدرجة حرارته، أو خارج عن المألوف؛ وهذا لا يعنينا؛ فالمؤكد أن الألفاظ المستخدمة في التغريدة كانت تستهدف استصناع صورة ذهنوية مخادعة؛ تتكئ إلى موقف قيموي مفرط في مشاعره؛ ولكن كان لا ينبغي أن يقع في أفخاخه أستاذ للعلوم السياسوية؛ والذي يفترض أن يتعالى عن المجاملات المنحازة، والمثيرة للريبة.

ثانيا: إن الدكتور حسن نافعة باحتفائه المقارب لاستخدام النمط الشعبوي في توصيف استقبال الأمير القطري (الاستقبال الحار) يكشف انحيازه الوجدانوي أو السياسوي للطرف القطري؛ مشابها لمسلك إضفاء الطابع الأسطوروي للاستقبال من الإعلام الممول قطريا؛ على سبيل النكاية في خصوم ذلك النظام؛ وهو يمارس مواقف مناقضة للمواقف الإجماعوية للسعودية والامارات والبحرين، في قضية التعامل مع مهددات الأمن الخليجوي؛ فضلا عن الموقف المصري بمسؤوليته عن الأمن والوجود الجماعي العربي.

إن “مساحات الاختلاف” المتراكمة بين النظام القطري وأغلبية أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي شاسعة تجاه كل الملفات المشتعلة بالإقليم وهي مفتعلة؛ وتصل إلى درجة المكايدة في المواقف؛ حول (الصراع مع إيران ــ المشكلة اليمنية ومقاومة الانفصال الحوثوي ــ المسألة السودانية ــ القضية الليبية ــ المشكلة السورية ــ القاعدة الأميركية الضخمة في العديد ــ الاندماج مع مشروعات الأغا العثمانللي التركي أردوغان ــ احتضان الجماعة البنائية المتأخونة ــ الدور الفاسد لقناة الجزيرة والصحف والقنوات التي تتمول بالمال القطري؛ إلخ إلخ…)

*** ثالثا: عقب قيامه بتفخيم حالة الاستقبال الأميركي للأمير القطري؛ التي مررها في مفتتح تغريدته متوائما مع الإعلام المنفق عليه قطريا، ـ حيث ذكرت قناة الجزيرة قول دونالد ترامب أن تميم بن حمد هو “قائد يحظى بالاحترام في منطقة مهمة من العالم” ـ ويقفز الدكتور حسن نافعة قفزة مباغتة؛ ملحقا ما قاله بعبارة أن ذلك الاستقبال {ليس سوى حلقة في مسلسل الابتزاز الأميركي المتواصل لدول الخليج العربي: ماليا}.

وهنا يبرز السؤال: لمن يكتب الدكتور حسن نافعة هذا الكلام السطحوي للغاية؟ هل حقا يوجهه للنظام القطري، والذي يخوض معاركه باختياره المطلق؛ والقائم على نظرية أن “مركز الثقل الجيو سياسوي” في منطقة خليج النفط والغاز، لا يمكن أن يستمر سعودويا إلى نهاية الزمان.

لذلك رتب هذا النظام القطري استعداداته للانبطاح المطلق أمام الحضور الأميركي؛ فضلا عن التماهي المطلق وهذا غير مطلوب منه أو من غيره مع (دولة الكيان الصهيونو ي) بالتعاون والتزاور والتواصل الظاهر والخفي؛ بغرض تقديم نفسه بديلا يغتصب حضور النظام السعودي الدولة المركزية الخليجية التقليدية؛ لتكون أمارة قطر هي البديل الاستراتيجاوي؛ ما وفر الفرصة لسحب القوات الأميركية من قاعدة الأمير سلطان الجوية بعد رفض المملكة العربية السعودية انطلاق العمليات العسكريتارية الأميركية تجاه أفغانستان من الأراضي السعودية.

فقام النظام القطري بتوفير البديل للقوات الأميركية بالأموال السخية في إنشاء (قاعدة العديد)؛ وأنفق 8 مليار دولار مكتملة على توسعتها الضخمة مؤخرا من الأموال القطرية بطريقة مفرطة؛ ما جعل ترامب يقول بجرأة للناخب الأميركي في وجود تميم بن حمد عن تطوير (قاعدة العديد) “نحمد الله أنها بأموالكم وليس بأموالنا”، أي أنها بإنفاق قطرى بامتياز ومن أموال القطريين؛ وأن (الإدارة الأميركية لم تتكلف سنتا واحدا)؛ مضيفا إنها “من أهم القواعد العسكرية في العالم”!!

والمخزى أن الترجمة الفورية لقناة الجزيرة – حسب ما ذكره موقع اليوم السابع -تجاهلت سخرية دونالد ترامب وهو يقول: “(نحمد الله أنها بأموالكم وليس بأموالنا”، فامتنع المترجم تماما عن الترجمة، وتوقف عن الحديث بشكل مفاجئ ليبدأ الترجمة من الجملة التى تليها)!

**** رابعا: وقد تكون هذه الأموال القطرية السخية هي ما جعلت الدكتور حسن نافعة يقع أسير الشعور من داخله بافتراض ضرورة حرارة الاستقبال الاميركي إلى الأمير القطري؛ فقام بتصدير شعوره الخاص في مفتتح تغريدته تفخيما؛ ليعقبها بأن دول الخليج تتعرض للابتزاز الأميركي؛ من أجل تحقيق مستهدف استنزاف ثرواتهم المالية؛ والأخطر من (منظور سمك لبن تمر هندي) الذي يتبعه في تغريدته يضيف السبب الثاني وهو: (تطويعهم للارتماء في أحضان اسرائيل ـ كتبها من دون وضعها بين مزدوجين ـ والتخلي عن القضية الفلسطينية).

**** خامسا: ويجمع الدكتور نافعة الأنظمة العربية كلها ( الفرقاء كلهم)؛ ليصفهم بأنهم كلهم في “الهوا سوا”؛ أي ينفذون الأجندة الأميركية (لا فرق بين نظام عربي وآخر، فكلهم في “الهوا سوا”، فمتى تفيق الشعوب العربية؟)!!

وهذا الاستطراد في رصف الكلمات؛ وبناء مواقف لا تعكس عقلية استاذ جامعي في علوم السياسة؛ بل تشير إلى إهماله منهجية بناء الموقف المؤسس على قواعد التفكير العلمي الصارم؛ بعيدا عن الأهواء الذاتوية أو السياسوية.

*****

** الدكتور حسن نافعة يدرك تمام الإدراك أن “النظام القطري” يعد أحد أهم أدوات تنفيذ الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط المفتت؛ ولا يحتاج إلى انتزاعه من صلب وظيفته ودوره في تدمير العراق؛ ولا يقبل بتجريده من دوره في تدمير الدولة السورية وإنهاكها سعيا لإسقاط نظامها؛ ويرفض انتزاعه من مهمته في تفتيت الدولة الوطنية الليبية ودعم الحكومة المتأخونة مع إرهابييها بالأسلحة. ويرفض التقليل من دوره بتضخيم دور نظام الأغا العثمانلي المتأخون أردوغان في المنطقة؛ وتثبيته بها.

** و”النظام القطري” يلعب دوره الخاص بتفتيت الدولة اليمنية، ودعم الانشقاق الحوثي ذلك الفصيل المشايع لإيران؛ فضلا عن التنسيق الكامل مع نظام المرشد في إيران.

** و”النظام القطري” يحتفظ بالعلاقات المتميزة مع “دولة الكيان الصهيونوي”، كما يقال(عيني عينك)؛ ويعمل عرابا لحركة حماس عضو الجماعة البنائية المتأخونة، والتنسيق بينها وبين “الدولة الصهيونوية”؛ في إطار “صهينة” المنطقة كلها عبر “قناة الجزيرة” وتوابعها ومشابهاتها. موظفا في ذلك العديد من الكوادر النخبوية، والأكاديموية والإعلاموية التي تستفيد من “العطايا النقدية القطرية”.

** إن عملية تجميع كافة “الأنظمة العربية” في سلة واحدة مع “النظام القطري” الذي اختتم به الدكتور حسن نافعة تغريدته؛ يمثل خلطا عمديا للأوراق؛ ويقوم به بهدف التمويه على طبيعة الأدوار؛ والنسق التآمراتي الحاكم لحركة تدمير “نظام الدولة الوطنية” في المنطقة؛ بمساعدة من كوادر تدعي ليبراليتها؛ وهي غارقة في البركة الملوثة.

** فالانظمة العربية التي تقف على طرف النقيض من “النظام القطري” تدرك دوافع ومحركات ذلك النظام؛ وقد جعل ثروته الوطنوية الغازية وبالا على الأمة؛ من أجل البحث عن دور لا يمكن تحققه؛ نتيجة فقدانه آليات أن يكون نظاما له ثقله المركزي في المنطقة؛ نتيجة طبيعة الرقعة الجغرافية “النتوئية”؛ ومحدودية القدرة السكانية؛ والحجم العسكريتاي الوطني الصغير؛ وتقليدية رصيد الموروث السياسوي والثقافوي والاجتماعوي؛ لذلك فعدم توافر العناصر الاستراتيجاوية الوازنة يجعل من “النظام القطري” مانح هبات وعطايا فقط؛ وممول ومسدد فاتورة السلاح والميليشيات ولوجستيات التدمير.

*****

والسؤال الجوهري الموجه للدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية: لماذا يمارس المسلكية الكتابية الشعبوية المفرطة في تغريدته بسؤاله[متى تفيق الشعوب العربية]؟ فهل حدد دلالات هذا الاصطلاح قبل ترويجه؛ وقدم المقياس الوازن لهذا الاصطلاح، بعيدا عن التعميمات المحيطة بمعنى “الشعوب العربية”؛ وآليات فعاليتها؛ وقدراتها ومناخات تفعيلها؟ وسياقات حركيتها بعيدا عن الفوضوية الشعبوية الناجمة عن الاحتشاد والتجمهر.

وهل يمتلك أستاذ العلوم السياسوية تصورا موضوعيا لآليات “معنى استفاقة الشعوب العربية” التي يلعب بها ككتلة؛ وتوافر نظم أكسابها فعاليتها، ليطرحه تأسيسا لوعي موضوعي بالحركة الوطنية الناجعة؛ بعيدا عن المتوهمات والمتشوقات التي تخفي مسكوتا عنه نخبويا مريبا؟

*****

إن الأهم من ذلك ألا يقوم الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية، بخلط الأوراق في “المشكلة القطرية” ودور نظامها للتعمية على وعي الجمهور؛ فليكشف في كتاباته: من هو الطرف الذي يضر بقضايا الأمة العربية ودولها وأنظمتها؟ ومن ضمن دول الإقليم هو الذي يوظف “فن الممكن” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خسائر الأمة؟ لكي يمكن النظر إليه بتقدير؛ بدل أن يحشر حسن نافعة نفسه مرتديا (بالطو) الليبرالية؛ ويقف في مربع الاسترابة؛ بل هو يتربع داخله باقتدار!!

رأفت السويركي