ذاكرة الحب الخالدة

ليس هناك حب يستحق الكتابة والتنويه والإعتبار من حب نابع من قلب شخص هو من كان سببا في مجيئك إلى هذه الدنيا ، أوآخر كان سببا في إنقاذك من الضياع بعد أن تخلى عنك أبواك البيولوجيان. فالعاطفة هنا لا تخبو بل تزداد توهجا كلما توطدت العلاقة وتقدم الزمان ، لأن الذي أنجبك لن يكذب عليك في الحب وإذا قسا عليك فهو يحبك بطريقته التي تبين القسوة بدل اللين لعل القسوة تنقذك من نفسك ومن شر تصرفاتك الطائشة حين تكون فتي التجربة قليل الحيلة مندفع الطباع…
أما الذي رباك ولم ينجبك فقد ربط وشائج الصدق في منحك الحب الذي تحتاجه ويحتاجه منك هو أيضا ، فلا أحد يضحي ويتكبد عناء التربية والإهتمام بدون عاطفة وبدون إحساس بوجودك كعنصر مهم في حياته لعلك تملأ عنه دنياه بدفء متبادل يجعل للعيش معنى.
الحب مكمن غليان الروح وذوبانها في إسعاد المحبوب سواء كان إبنا أو أما أو أبا أو أخا أو أختا أو صديقا أو حبيبا أو حبيبة..الخ ، هو ما يجعل الحياة تمتلىء بصدق التعاطي مع الأيام بروح الأمل لعل العاطفة تلعب دورها في جعل السعادة تحتل حيزا في وجود الكائنات وهي تسعد أو تشقى حسب الظرف وحسب درجة الميل والمكانة التي يحتلها الحبيب في القلب.
لولا الملامة لكان للحب المتبادل بين الأم وأولادها شأن مختلف ، ولعل فرامل الثقافة تدين بهذا النمط الذي يجعل الحب متوقفا عند حدود التعبير اللفظي ومكابدة الهم وفعل ما يلزم من عون ودعم ومساندة للنهوض بقيمة المحبوب داخل المجتمع دون التجرؤ على اقتحام الجسد المحرم عليه ثقافيا.
فحسب التحليل النفسي لفرويد فإن الرضيع يربط وشائج الحب بينه وبين أمه أثناء الرضاعة ، وقيل إنه يمارس الجنس معها وهي بدورها تتلذذ بذلك المص وتستطعمه بشكل قوي لكنها تنفيه كنوع من أنواع الرغبة في الجنس..
والحال أن الطفل لا يعي ما يفعل ، وغريزة الأمومة بدورها تنفي كل ما من شأنه الإعتقاد في غير الرضاعة سبيلا للعناية بالوليد والسهر على إطعامه كي يكبر ويشتد عوده. حتى إذا وعى عرف أن أمه كائن مقدس ولا مفر من بدل الحب لها عرفانا.
الحب والجنس شيئان مختلفان طبعا ، فالحب عاطفة والجنس غريزة ، لكن يحدث أن يلتقيا عند جسدين يعبران عن صدق المشاعر ونفس الرغبة في الإتحاد فيكون الجنس أحد أوجه التعبير عن الحب وهذا ما يحدث بين الأزواج من الذكور والإناث..
فإذا كان الحب سببا في استطعام الحياة بشكل مختلف ؛ فيه ما يكفي من معاني السعادة والأمل والتفاعل بين الذوات ؛ فإنه يكون سببا أيضا في جعل صاحبه خارج إحداثيات العقل والحساب ، لأن مرآته تخطف الأبصار فلا يرى بها صاحبها شيئا من عيوب الحبيب سوى ما يجعل تعلقه به كبيرا ولا حدود له.
ولهذا فإن ماضي ما عاشه المرء من حب يظل ذكريات بحنينها تنبض بصدق اللحظة الفائتة ، فتتحول إلى بوصلة يهتدي بها في مسيرة الحياة نحو تحقيق العيش بعنفوان يليق به كذي تجربة في هذا الباب.
وبالعودة إلى موضوع الحب الصادق مع الأبوين وخاصة الأم ، فإن الثابت أن حب الأم لا حدود له ولا مشروط ، بل ينبض بصدق منقطع النظير لأن الحبل السري حتى وإن انقطع عند الولادة ، فإن الإتصال يحدث عند الرضاعة التي تمنح الرضيع مناعة وغذاء كافيين له حتى يستقيم بنياته وعقله ، وكذلك مع النمط التربوي داخل البيت والعناية بنظافته وتلقينه أسس التعلم الأولي قبل الإلتحاق بالمدرسة…
إن المرافقة التي يحضى بها الطفل من طرف أمه ، وتضحياتها الكبيرة من أجل إسعاده وتعليمه والترفيه عنه وتوجيهه وتطمينه وتحسيسه بالأمان داخل مجتمع منافق مداهن مليء بالمتناقضات والإنحرافات والتجاوزات ، لهي المسعى لبناء شخصيته على قاعدة صلبة ، وهي الشعور بالأمان الذي يجده الولد أو البنت عند أمه.
هكذا يستحق حب الأم تمثالا يعلق في الأولمبياد أو في مكان فسيح ينظر إليه العالم كما ينظر إلى تمثال الحرية فيحس بالزهو والعنفوان لما تقوم به الأم من بدل وعطاء وتضحية وصبر ومكابدة في الحياة حتى تسعد أبناءها وتجعلهم بمأمن من كل شر متربص بهم.
هذا هو الحب الحقيقي الذي يجب أن يحتفى به بدون مزايدات ولا ترهات لأنه هو الأبقى حتى بعد الممات من ضمن أجمل الذكريات.
بقلم : محمد علي لعموري