الفكر “الداعش” الذي يسكننا

منذ زمن ولى وقبل انتشار الفكر الوهابي كالسرطان بمباركة من السلطة السياسية ذات زمن ، حين كانت المواجهة المفتوحة في الجامعة وفي الشارع بين النظام المخزني وبين اليسار الإشتراكي الماركسي اللينيني الذي كاد يهزم إيديولوجية المخزن داخل أسوار الجامعة وداخل فروع الأحزاب السياسية الوطنية ؛ قلت منذ ذلك الزمن ارتأت السلطة السياسية ضرب المعارضة السياسية بتشجيع اجتياح الفكر الإسلاموي للجامعة وباركت دخول الفكر الوهابي ومعه الفكر الإخواني إليها حتى يقضى على الفصائل اليسارية التي كانت تنشر الفكر الثوري وتحرض الطلبة والباحثين على مناهضة الفكر الظلامي والفكر السياسي الإستبدادي..

بالموازاة دخل في صلب نظامنا التعليمي مناهج التربية الإسلامية التي تكرس إحياء الفكر الإسلامي في مرحلة الثانوية التي فيها يتم إعداد التلميذ أدبيا وفكريا لتلقي ما تبثه المنظومة التعليمية من قيم التشبع بالفكر الديني المناهض للمرأة وللآخر ولقيم الحداثة ولقيم التسامح وخاصية الإختلاف…

وهكذا تسنى للفكر الوهابي الإنتشار والإنتصار على الفكر التنويري والحداثي واليساري الذي كان يؤسس لقيم كونية تقتبس نور مشكاتها من فكر علماني وعلمي قمين بخلخلة التراث وزحزحة اليقينيات ذات اللوثة التراثية الموروثة عن عصور الإنحطاط والمرحلة السكولاستيكية.

إن تراجع الفكر الجدلي القائم على السؤال الفلسفي الوجودي منه والعلمي ، وانحصار جغرافية الفلسلفة في حدود دائرة المركز لدواعي أمنية ، وإطلاق العنان للفكر الديني المتشدد كي يدخل المساجد والبيوت من خلال كتيبات بسيطة تبسيطية تحث على التكبر على الآخر باسم الدين الإسلامي ، وبروز الفكر الإخواني زاحفا في الجامعة وفي المجال السياسي ، واحتواء الدولة للإسلاميين الذين يتلونون كالحرباء في لبوس ” الإعتدال ” وابرامهم لصفقة سياسية مع الدولة للدخول إلى المشهد الحزبي المغربي بحزب جديد لموازنة الكفة مع جماعة محظورة تشتغل في صمت وتحت الرقابة ، واكتساح المد الإخواني للساحة السياسية بعد إضعاف الأحزاب الكبرى التاريخية في إطار معركة كسر العظم التي كانت تتولاها الداخلية بتفجير الأحزاب المشاكسة من الداخل ، وموت النخب الوطنية ذات الكفاح من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية… وبروز نخبة هجينة وريثة عهد الإستسلام والخنوع والإنكسار بعد استئساد الإسلاميين وتمكنهم أخيرا من الوصول إلى السلطة … كل هذه التراجعات على مستوى الفكر التنويري لحساب الفكر الديني المتشدد سواء من جهة الإخوان المؤثرين اليوم حزبيا ، أو من طرف حفدة إبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ، الذين يسوقون للناس إسلاما مغلقا دوغمائيا سلفيا لا يتسامح مع الآخر ولا يقبل بالإختلاف ولا يحترم قيمة المرأة بل يغطيها باعتبارها عورة ، هي نتائج لتحالف ظرفي اتركبته الدولة بالأمس لدحر الفكر اليساري المعارض وتطويع الأحزاب حتى فقدت كل قدرة لها على الفعل والتأثير اليوم ، وتدجين النخب بمنحها المناصب ، ومنع الأخرى الحرة من الفعل والتفاعل مع الناس ، وظهور نخبة انتهازية منتفعة من اقتصاد الريع وصامتة عن كل أزمة طارئة ، بل مساهمة في تعميقها…

إن الطبيعة لا تقبل الفراغ ، والنخب المثقفة المفروض فيها اليوم حمل مشعل التنوير وسد الخصاص وتوعية المواطنين غائبة ومغيبة ، وهبوط التعليم إلى مستوياته الدنيا ، وتراجع الفعل الثقافي عن التأثير في الشباب الفاقد للبوصلة والتوجيه ، إلا التوجيه والتوجه الديني المخيف الباعث على الكراهية وعلى العنف ، وبالتالي كان سهلا علينا اليوم أن نحصد ما زرعناه البارحة من شبيبة ضائعة ونخبة هجينة أو مدجنة وجماهير فاقدة للإنتماء لهذا الوطن وتدين بالولاء لشيوخ الفضائيات الذين يحرضون على الكراهية والعنف والقتل باسم الدين ، ولا غرو أن نجد بيننا من يؤيد فكر الدواعش ومشروعهم القائم على الهدم والتخريب والتقتيل سبيلا لتحقيق حلم الخلافة ( عفوا الخرافة ) الإسلامية.
بقلم : محمد علي لعموري