ربيع أم خريف لمراكش العتيقة؟

صدرت عن جريدة أخبار اليوم، الخميس 9 غشت 2018، الصفحة الثقافية ، ص. 13. تندرج هذه المقالة في إطار النقاش الواسع الذي يدور اليوم حول إشكالية إعادة الاعتبار وتثمين النسيج الحضري العتيق للمدينة. وقد سبق أن نشرت النسخة الفرنسية في جريدة “l’Opinion ” الناطقة باللغة الفرنسية بتاريخ 19 يوليوز 2018.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصبحت المدينة العتيقة لمراكش اليوم محط كل تساؤلات الخبراء ، و الساكنة على الخصوص ، وأيضا تساؤلات المتهممين مستقبلها و استمرارية موروثها. إنها بلا منازع ، المكان العالي للإكتشاف السياحي لأهل البلد و الزوار القادمين من بقاع الأرض وأطرافها ، فعلاوة على سحرها العجيب والظرافة الجذابة لأهلها ، فإن جاذبيتها تدين لتراثها الثري ، المتراكم على أرضها عبر العصور. فتخطيطها المتشعب، المحير للبعض ، يدعو العابر من أزقتها الصغيرة لاكتشاف عالمها الذي ينسج في تلاؤم و تناغم بين الجمال و الزهد والبساطة برباط وثيق . فالمظهر الهندسي لأبنيتها المتلاحمة حيث الواجهات المشتركة تصون جمالها وحميميتها، هو الشاهد على العمارة الأصيلة الروحية بلا منازع .

يخفي مركز المدينة العتيق لمراكش بين الأسوار موروثا حضاريا واسعا ومتنوعا، بصروحه الدينية و الروحية ، وقصوره العديدة ، ورياضاته الجميلة ، وحتى بمجموع الابنية المتواضعة ، كل هذا يمثل شاهدا ثمينا على تاريخها. أما اليوم، فهشاشة كنوزها العمرانية محزنة للغاية ، إذ معظم الأمكنة التي كانت من وراء شهرة هذه المدينة الألفية تأثرت بصروف الدهر ونكباته وتلاشت ضحية سنوات طويلة من التهميش و الإهمال .

فضلا عن ذلك، فمواد البناء وإجراءاته المتوارثة عن الأسلاف ، تبدو بعيدة كل البعد ، إذ لا يتم تبنيها في ترميم و إصلاح الأبنية القديمة ، فاجتياح البناء بالخرسانة شوه المدينة بطريقة ما ، و اعدم جمالها الحقيقي و أصالتها .أضف إلى ذلك ، أن تجديد الواجهات لا يعبأ بتاتا بتناغم المشهد العمراني. فالمظهر اللوني للمدينة اتخذ سبيلا عجبا وتحول تحولا فيه نظر، فاللون الأمغر المشهور الفارق الذي حافظ على الهوية الخاصة بالمدينة منذ تشييدها ، اختلط في أيامنا هذه بفروق لونية مختلفة حد التناقض ، أصبح في الحقيقة ، متعذرا العثور عليه ، فلا أحد من الفرقاء الذين يشتغلون على المدينة اليوم نجح في إعادة إخراجه و اكتشافه. إنها مأساة جمالية حقيقية!

هناك سمة أخرى ذات دلالة لها صلة بحساسية تراث مراكش ، وهي ساحة جامع الفناء ، فبالنظر إلى اختفاء التظاهرات الشفهية من بهجتها اليومية ، نرى الساحة ضدا عن إرادتها ، عاجزة عن أداء رسالتها ، وقد بدأت تشكك اليوم في مدى مصداقية السمة التي اعطيت لها: ” تراث ثقافي ولامادي للإنسانية “.

مرة أخرى ، فمظاهر ازدهار التراث الشفهي تلاشت ولم تعد موجودة ، ورب قائل يقول بأن إعلان اليونيسكو سنة 2001 كان نذير شؤم. و كان بداية النهاية ، كان اختفاء لتلك الأصالة التي كان يتمتع بهاالحلايقية ،ولقدرتهم على إدهاش الجمهور في الساحة ، اختفت ألف ليلة و ليلة ، واختفت معها ملاحم العنترية و الأزلية …. إلخ .

واليوم ، فإعادة الإعتباروتثمين النسيج العمراني القديم ونفائسه التي تتلاشى بالتدريج أضحى أمرا استعجاليا . فالأماكن ذات الأهمية الكبرى في المدينة ، منسية ، متآكلة ،مهددة بالخطر ، تستدعي عملية مسؤولة للإصلاح. بالمقابل فالطرق المعتمدة في ترميم تراث المدينة لا ترقى إلى مستوى تطلعات الساكنة المحلية ولا تشبع انتظاراتها . فهل الترميم بالمماثلة الواجب اتباعه باعتباره معيارا لا يمس ولا يخرق ، يتم التحقق منه في العمليات الملتزم بها في مختلف البرامج التي تعنى بمركز المدينة العتيقة؟

من مثل هذه التساؤلات يتسرب الشك حول المردود النهائي، و بذلك يتوجب إحياء النقاش حول العراقيل التي مازالت تعاكس عملية صيانة تراث المدينة و طابعها التاريخي الذي ينحو اليوم نحو أفوله.

إن تراث مراكش ، المادي واللامادي ، هو قاسم مشترك . ومسؤولية تعهده و الحفاظ عليه ، تلزم بالأساس مختلف الجهات المعنية به ، وعلى وجه التحديد ، الجهات الرسمية و المنتخبون و المتخصصون ، و خاصة الفاعلون في المجتمع المدني الذين كانوا من أوائل المنافحين عن قضية المدينة.

إن الاستعانة بخبرة المتخصصين في تراث المدينة والجامعيين و الباحثين و الفاعلين الجمعويين ، إضافة إلى المؤسسات بالطبع ، ستكون في مستوى إيجاد حلول ملائمة للأسئلة المختلفة المرتبطة بإشكالية إنقاذ التراث، و ذلك بمقتضى توصية اختتام الذكرى 30 لإعلان مراكش ” تراثا عالميا للإنسانية ” التي حبذت تأسيس هيئة من أجل المدينة القديمة .

لا ينبغي أن يغيب عن الرهانات الحقيقية و الرمزية التي تحمل هذه القضية ، قضية تراث المدينة القديمة : أولا ، الهوية الثقافية ، لأنه إذا لم نكن مسلحين بما فيه الكفاية و معززين بمعرفة عميقة بالتراثات ، فإننا سنعرضه لأضرار و شرور العولمة ، وإلى خطر الإجتثات والإستئصال. ثم إن نظرة مندمجة لهذا التراث ستمكنه من تأمين استمراريته و جعله في خدمة أهل مراكش إذ ينبغي للتراث أن يؤمن لهم رضى وإشباعا ، و بحثا عن المعنى وتنمية ثقافية و اقتصادية تعود عليهم بالغنى المادي و الرمزي .

بقلم: محاسن راسخ
ترجمة: محمد ايت لعميم