السلم والحرب والكتاب

ألهمني فيلم أمريكي رائع شاهدته من قبل على إحدى القنوات الفضائية العربية التي تعرض الأفلام الأمريكية بكثرة مع الترجمة بالعربية أسفل الشاشة..

قصة الفيلم تحكي عن فترة الحرب العالمية الثانية وبالضبط في ألمانيا التي كانت النازية فيها طاغية تفتش في بيوت الناس عن كل معاد للنازية من يهود ومعارضين لنظام الفوهرر وكتب تتحدث عن الشيوعية والماركسية والإشتراكية…

وكانت فتاة يتيمة قد انتقلت للعيش عند اسرة متواضعة تضم زوجين متقدمين في السن يعيشان وحيدين..كانت سيدة البيت صارمة وحادة الطباع لكنها تحب زوجها بطريقتها الخاصة بالإضافة إلى تدمرها من أجواء الحرب التي جعلت العيش بين الفينة والأخرى تحت الأقبية أمرا مقرفا ويدعو إلى السأم.

وعندما انتقلت الفتاة البطلة ذات الثامنة ربيعا للعيش مع تلك الأسرة كان حلمها كبيرا يتجاوز حدود اللعب مع الأطفال من سنها في الزقاق ، أو الجلوس مكتوفة اليدين تراقب حياتها بكآبة ، بل كان شغفها بالقراءة يعادل توقها لمعانقة المعرفة وتعلم القراءة والكتابة.

ساعدها صاحب البيت الذي بات بمثابة أب لها على الحصول على الدروس الاولية لتعلم اللغة تحت قبو المنزل فتلقت منه نصائح ذهبية في فن التعامل مع الكتاب.

في تلك الأيام سيلجأ أحد الشباب اليهود المعارض لنظام هتلر الديكتاتوري هربا من بطش جنوده الذين كانوا يبيدون اليهود والشيوعيين والمعاقين…

ظل ماكس مختبئا تحت القبو فارا من الإعدام وهناك تعرفت الفتاة على افكار هذا الشاب المثقف الذي كان يعارض النظام العسكري للسلطة الألمانية النازية ويعارض الحرب ويدعو إلى السلام والحب.

كانت نصائح وتوجيهات الشاب ماكس للطفلة اليتيمة ذات وقع كبير على نفسيتها وفتحت شهيتها على المزيد من الإطلاع بعد أن امدها بكتاب يتحدث عن الفكر الماركسي الداعي إلى العدالة الإجتماعية والمساواة ونيل الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية للإنسان الألماني.

ومرة قامت الفتاة بمهمة نقل الملابس المغسولة إلى بيت عمدة المدينة مكان السيدة ؛ التي كانت تشتغل عندهم دور غسالة للثياب تأخدها متسخة من بيت العمدة وتغسلها وتجففها ثم تطويها وتعيدها إلى القصر ثم تتوصل بأجرها على ذلك..وفي تلك المرة التي ذهبت فيها الفتاة بالثياب إلى بيت تلك العائلة الميسورة أعجبتها خزانة ضخمة في قصر العمدة فسمحت لها زوجة العمدة من الدخول وقراءة كتاب أعجبها فنسيت أن رفيقها وصديقها ينتظر بالخارج فهمت ناهضة بعد أن استاذنت بالمغادرة ووعدتها سيدة القصر بتكرار الزيارة حتى تتمكن من القراءة.

لكن العمدة اعترض على هذا السلوك من زوجته تجاه فتاة نكرة ، فتم منع الفتاة من الإستفادة من قائمة الكتب النادرة التي تعج بها جنبات الخزانة الضخمة.

ويوما ما انتهزت الفتاة فرصة غياب أصحاب القصر فتسللت لتسرق كتابا وتعود أدراجها إلى البيت.

الحرب لم تمهل العائلة التي تقيم عندها تلك الفتاة المتطلعة لحياة أفضل ، فقضت تحت الأنقاض بسبب غارة التحالف ضد ألمانيا ، ومن حسن حظ الفتاة انها نامت ليلتها تحت القبو تقرأ كتابا. وهكذا نجت من موت محقق بعد أن مات صديقها الطفل الذي قبل أن تزهق روحه باح لها بحبه لها.

هكذا عاشت الفتاة زمنا طويلا حكت فيه قصص الحرب التي مرت بها منذ طفولتها دون أن يثنيها ذلك عن تلمس طريق السلم عبر الكتابة لتصبح أحد ابرز الوجوه في عالم القصة والرواية والسيرة الذاتية.
بقلم : محمد علي لعموري