الدين والظمأ الأنطولوجي

عبدالجبار الرفاعي
منذ صدور كتابي: “الدين والظمأ الأنطولوجي” قبل عامين نُشِرَت أكثرُ من خمسين مقالةً تُعرِّف بهذا الكتاب، وتتناول أفكارَه بالتحليل والنقد. وفوجئ مؤلفُه باحتفاءِ القرّاء الشباب به، واهتمامِهم بما أثاره من أسئلة، وما خلص إليه من رؤىًحيال الدين، وبواعث حضور الدين المزمن أمس واليوم في الحياة البشرية، وكيف أنه كان ومازال أحدَ العوامل الفاعلة في تاريخ المجتمعات، بكلّ ما يحفل به التاريخُ من تقدّم وتخلّف، ويقظة وسبات، ونهوض وكبوة، وحرب وسلام، وانتصار وهزيمة.

وتباينت آراءُ القرّاء في مضامين هذا الكتاب، فرأى بعضُ القرّاء أنه دعوةٌ لـ”تصوف مقنع”، ووصفه آخرون بأنه دعوةٌ مغريةٌ للإيمان، ودفاعٌلـ “محامٍ بارع” عن الدين، ورأى فريقٌ ثالثٌ أنه يبتعد كثيراً عن مفهوم الدين الذي يتحدّث به معظمُ الكتّاب الإسلاميين. وتسلّم الكاتبُ رسائلَ كثيرةً تبدي انزعاجَها وألمَها من نقده لـ “أدلجة الدين في فكر علي شريعتي”، وأقلق غيرَ واحد من القرّاء أن النقدَ الذي يطال شريعتي ينطبق على مفكرين إسلاميين كبار من معاصريه الذين تحوّلت كتاباتُهم إلى ملهمةٍ لعدّة أجيال، إذ تنبهوا إلى أن نقدَ الكتاب لفكر شريعتي إنما جاء بوصفه مثالاً لنمط تفكيرٍ أيديولوجي تغلغل في أدبيات الجماعات الدينية كلِّها في النصف الثاني من القرن العشرين.

لعل تنوعَ مواقف قرّاء الكتاب، واختلافَ آرائهم في الكتابيعود إلى كثافةِ حضور التجربة الذاتية للكاتب في موضوعاته، وتداخلِ تنويعات العقل والقلب والروح فيها، فهي تجربةٌ ألقتْ بثقلها على موضوعات الكتاب. لم ينفرد فيها صوتُ العقل فقط، بل إن القارئَ يستمع فيها للعقل يتحدّث للقلب والروح، كما يستمع فيها للقلب والروحي تحدثان للعقل.

يعترف الكاتبُ أنه أفاد من آثار فلاسفةٍ وروحانيين كبار ملهمين للمعنى، لكن القارئَ الخبيرَ يتحسّس صوتَ مؤلفه الذي حرص على ألا يكرّر غيرَه أو يستنسخه.فعندما كان المؤلفُ يحيل إلى التراث الروحاني في الإسلام لم يكن داعيةً لـ “تصوف مقنع”، لأنه لا يعوزها لحسُّ التاريخي، لذلك تعاطى مع ذلك التراث بوصفه فهماً للدين، وتأويلاً للقرآن الكريم، ينتميان للأفق التاريخي الذي وُلدا فيه. ومع ثنائِه على ما يتميز به التصوّفُ الفلسفي من الخروج على الأنساق المغلقة لعلم الكلام التي انطفأت فيها أشواقُ الروح وذبلت فيها جذوةُ الأخلاق، وإعجابِه بطاقة المعنى الخلاقة في التراث الروحاني الذي منح روحَ وقلبَ المسلم فضاءً فسيحاً يمكّنه من بناء صلة ديناميكة يقظة بالله، وإدراكِه لقدرة النظام المعرفي للتصوف الفلسفي على تحرير العقل من الأسوار المغلقة للرؤية التوحيدية للمتكلمين، وتخطي الفهم المتصلّب للدين والتفسير الحرفي لنصوصه. لكن مع كلِّ تلك الميزات الباهرة في التراث الروحاني فإنه كغيره من تراث الإسلام يتسع لاتجاهات متضادّة ومقولات متنازعة، اصطبغت بألوان عديدة، من خلال تشكّلها في أزمنة وأمكنة مختلفة، واتخذت صياغاتٍ متباينةً على وفق السياقاتِ المتنوعة التي تموضعت في مناخاتها، وأنماطِ التجارب الروحية لأصحابها، لذلك ترى في آثار المتصوّفة والعرفاء ما هو أشدُّ فتكاً من الشعوذة والوثنية، مما يُعطّل العقلَ ويُهشّم القلبَ ويُشوّه الروحَ، وترى فيها، بعد تمحيص واختبار، كما يرى فيها كلُّ قارئ محترف، درراً ولآلئَ نادرة، توقظ العقلَ من سباته، وتنقذ الروحَ من متاهاتها، وتغيث القلبَ حالة يبابه.

أما القرّاءُ الذين رأوا المؤلفَ داعيةً للإيمان و”محاميا بارعا” في الدفاع عن الدين، فقد تنبهوا بذكاء لرسالة هذا الكتاب وكتاباتي الأخرى، إذ كنتُ ومازلتُ مؤمناً بالدين، ومدركاً لحضوره الأبدي، ودارساً لتنوّع تمثلاته في حياة الفرد والجماعة. بل إني قلتُ أكثر من مرة: “أنا كائن ميتافيزيقي، لا تتحقّق ذاتي إلّا حيث يتحقّق إيماني”.

أما أولئك المنزعجون من هذا الكتابِ وغيرِه من كتاباتي فإني أتفّهم مشاعرَهم، وأظن أن الكثيرَ منهم يشعر بالخذلان عندما يجدني في موقع فكري غيرِ الموقع الذي كنتُ فيه في شبابي. حين كان صوتي مجردَ صدىً لأصوات كتابات مليئة بالشعاراتِ التعبوية، والأحكامِ الوثوقية الجاهزة، التي تفتقر للتحليل والغربلة والتمحيص والنقد، ولا تعرف شيئاً عن المناهج الحديثة للبحث العلمي، وتفشل في توظيف أدواته في دراسة الظواهر المجتمعية وفهمها.

بعد سنوات طويلة أمضيتها في دراسة وتدريس معارف الدين بدأت بالتدريج اكتشف قصورَ فهمي للدين، وهشاشةَ تفسيري لنصوصه. وبعد أن اختنق تفكيري في مدارات التراث المسدودة، حاولتُ أن أعتمد الفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع الحديثةَ في فهمِ الدين بوصفه ظاهرةً عميقةً في حياة الإنسان، وتحليلِ كيفية نشأة وتطوّر معارفه، وتراكمِ التراث الذي تكوّن في فضائه، وتنوّعِه عبر العصور، فرأيتُ طبقاتٍ للدين والتراث لم أَرَها من قبل، وأضاءتْ لي أعماقاً لم أكن أدركها. رأيتُ كيف تتشكّل معارفُ الدين عبر التاريخ، وكيف ينتج كلُّ عصر فهمَه للنصّ، وتعلّمتُ كيف يؤثّر النصُّ الديني في الواقع، وكيف يتوالد تفسيرُ النصّ من الواقع، ورأيتُ نسيجَ العلاقات المجتمعية المعقدة وأثرَها المباشر في إنتاج أشكال المعارف الدينية المختلفة.

يبقى مؤلفُ هذا الكتاب مديناً للقرّاء الذين منحوه ثقتَهم، ولم ينقطع تواصلُهم المباشر معه بوسائل الاتصال المختلفة حتى اليوم، كلٌّ منهم يبدي وجهةَ نظره ورأيَه في القضايا التي أثارها الكتابُ إثباتاً ونفياً.

آراءُ القرّاء وأسئلتُهم ومناقشاتُهم حثتني على التفكير مجدداً في قضايا لازمتْ تفكيري منذ بداية مطالعاتي ودراستي لمعارف الدين، وكنتُ فيما مضى أغلق التفكيرَ فيها بإجاباتٍ لم أجد الكثيرَ منها منطقياً اليوم، لذلك حاولتُ إثارتَها بشكل أدق، والسعيَ لتقديم إجابات لها، تتخذ القرآنَ مرجعيةً،والمناهجَ الحديثةَ في التأويل أدواتِ تبصّر في ما ترمي إليه مدلولاتُه.

ويتضمن شيئاً من هذه الإجابات كتابي الجديد “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، الذي يتزامن صدورُ طبعته الأولى مع الطبعةِ الثالثة لهذا الكتاب، والطبعةِ الثالثة من كتابي “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين” الصادر عام 2010، والذي كان يمثّل الحلقةَ الأولى في مسعىً لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترسم منطقَ فهمِ آيات الكتاب، من أجل بناء رؤية “إنسانية ايمانية” للدين، عساها تطلُّبنا على أفق مضيء نرى فيه الدينَ من منظور مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّراً لا مستعبِداً، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جمالية تتجلى فيها أجملُ صورة لله والإنسان والعالَم.

وآمل أن تظلّ كتاباتي القادمةُ وفيةً لهذا النهج الذي خلصت إليه بعد رحلة تفكير وتأمل تواصلت لأكثر من أربعين عاماً من حياتي، واكبتُ فيها دراسةَ وتدريسَ معارف الدين، وعشتُ حياةً روحية وأخلاقية تكرّس تْاثر مكابداتِ صور مضادّة لها، تبدّتْ في سلوك بعض المتدينين، ممن تتخذُ شخصياتُهم أقنعةً دينيةً زائفة، تلتبسُفيها القيمُ الرديئةُ بالأمراض الأخلاقية والنفسية، وتختبئ خلف طقوس وشعائر صاخبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي” الذي صدر هذا الأسبوع ببيروت