وجهة نظر في ثنائية العربية والعامية

مصطفى الشنضيض

هل صارت العربية، الراسخة الجذور، الوارفة الظلال، الشامخة القامة، تهاب بضع كلمات من العامية في مقررات المدارس؟

وهل الملايين المنتشرة من كتب المعاجم والآداب والبلاغة والفلسفة والقانون وعلوم الشريعة والشعر لم تعد كافية في توريث اللسان العربي إلى الأجيال تلو الأجيال؟.

وما لبعض الناس اهتزت قلوبهم خوفا على العربية، التي يهابها كل من اقترب منهابعد أن ظنها حمَلا وديعا سهل المنال، فوجدها أسدا ضاريا متسيدا على غابة من الجدوع والأصول، وفروع الاشتقاقات، وأوراق التوليدات المستمرة اللا متناهية؟.

إن العربية بناء مكتمل وحيطان محكمة وأسوار عالية تطمئن القلقين على مستقبلها وتخبر الحاقدين عليها بأنها ماضية في سيلانها في مختلف الأقطار في الشرق والغرب في المستقبل المتوسط.

فأنا شخصيا أرى أن تضمين المقررات بعض الكلمات العامية، مما أقره العرف وتداوله الناس،وهو إغناء وإنعاش للغة وتوسيع لدائرتها، بعكس ما يتداوله الناس من الخوف على العربية من العامية.

ف”البغرير” أكلة حادثة اصطلح الناس على تسميتها بذلك الاسم، وإدراجه بين ألفاظ اللغة العربية ليس عيبا أو إثما، وإنما تعريب وتفصيح لها، وليس العكس كما يظن البعض، فلو أدخلوا مقرر العربية جملة [بغيت ناكل البغرير] لكان هذا إثما ظاهرا وعدوانا صارخا، لأنه استُبدلت العبارة العربية بالعبارة العامية، وهذا غير مقبول تماما، أما إن قلنا [أريد أن أتناول بغريرة بالعسل] فهذا ارتقاء بالمصطلح الدارج إلى العربية الفصحى وإغناء للقاموس العربي.

فما دام المسمى حادثا في الزمن، ومنتجا جديدا، انبغى تسميته باسم جديد؛ أما إن وجد المسمى من قبل، كالصنبور مثلا، لو استعضنا عنه بمصطلح “الروبيني” لارتكبنا عدوانا سافرا على العربية، لأن العرب قد تواطؤوا على تسميته صنبورا أو بزبوزا وهما فصيحان مشتهران، ولا يمكن أن نتخلى عنهما إلى اسم ثالث مبتذل من القاموس الفرنسي.

ف”البغرير” وإن كان مصطلحا دارجا عند عامة المغاربة، ولا بديل عنه في تداولهم اليومي، جاز رفعه إلى الأعلى وضمه إلى القاموس العربي الفصيح، ما دام ليس بديلا عما هو أفصح منه اسما على ذلك المسمى المعروف عند الناس، تماما كما وقع لعدد من الأكلات والملابس التي أحدثث عبر التاريخ والتي أخذت حظها من التداول حتى وصل وقتها لتدخل القاموس العربي، ويمكن مراجعة ذلك منذ  “العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي، و”جمهرة اللغة” لابن دريد، و”أساس البلاغة” للزمخشري، و”المخصص” لابن سيده، و”الغريب” لأبي عبيد القاسم بن سلام، و”التعريفات” للجرجاني و”الكليات” للكفوي، و”لسان العرب” لابن منظور، و”تاج العروس” للجوهري، إلى أن تصل إلى “قاموس المحيط” للفيروزأبادي، و”المعجم الوسيط” لمجمع اللغة العربية و”المنجد” للويس معلوف. ففي كل معجم من هذه ستجد مصطلحات لم تكن في التي قبلها.

وأعيد وأكرر، إن هذا ليس إحلالا للعامية بدلا من الفصحى من قريب ولا من بعيد، بل بالعكس تماما، إنه رفع للأدنى إلى مصاف الأعلى لاستحقاقها لذلك المقام، باعتبارها غير مبتذلة، ولا نابية، ولا غريبة عن المجال التداولي المغربي، فضلا عن أنه لا بديل عنها في لغتنا، وما قلناه عن البغرير نقوله عن أخواته من الكلمات الثمانية المستعملة في المقرر التي وقع الخلاف حولها وتوسع. فإن علم هذا، علمنا أنني لست ممن يدعو إلى استعمال الدارجة بدلا من العربية، وأنه عين التعريب.

وأعلم تماما أن هناك من يحلم بأن نتخلى عن العربية الفصحى ونحل العاميةمحلها، وهذا سراب لن ينفع صاحبه، ومطمع غير سليم الغايات، ومستحيل التحقق في بلد العلم والعلماء، في بلد القرويين، وابن زهر، وابن طفيل، والقاضي عياض، وأبي شعيب الدكالي، والحسن الأول، وعبد الملك السعدي، وسيدي محمد بن عبد الله، وعين الشق، والسلطان مولاي سليمان، ومحمد الخامس…

إنه النبوغ المغربي، والجناح الغربي للإسلام، الذي خدم عبر القرون القرآن والحديث النبوي الشريف وسائر العلوم، التي أول مفاتيحها وأهمها هي اللسان العربي الفصيح.

لا قلق على العربية والمغرب فيه 464000 حافظ لكتاب الله، وفيه 35000 طالب يدرسون في مدارس التعليم العتيق، وفيه 14000 كتّاب قرآني حسب تقرير وزارة الأوقاف لسنة 2018م.

العربية لا تخشى على نفسها في المستقبل، لأنها لسان 400 مليون من السكان، ولغة دين 2 مليار من المسلمين في العالم.