العقل العربي ومآلاته (29): العقل الدجالي

بقلم الشيخ: عبد الغني العمري الحسني
العقل الدجالي عقل شيطاني، مجاله الإمكان. وهو يعمل في الإثبات والنفي بعكس الحقائق، ليوهم السامع بما يريده منه. ولولا أن له قوة فكرية لا يستهان بها، ما استطاع السيطرة على العقول الضعيفة من المفكرين ومن المؤمنين جميعا. والدجاليون قد عملوا على نشر فكرهم منذ قرون في العالم بأسره. واعتمدوا في ذلك أولا التعليم المبني على العلوم الكونية، ليوهموا أن العلوم العقلية المصاحبة لها في مؤسساتهم، هي على الدرجة نفسها من اليقينية (النسبية والمشروطة). وقد أفلحوا في هذا إلى حد بعيد…

ثم إن الدجاليين عملوا أيضا على إتاحة التعليم للجميع؛ بل هم جعلوه في بعض البلدان إجباريا؛ لا ليسهموا في توسيع المدارك لدى الناس كما قد يبدو، ولكن ليتمكنوا من جهة، من الهيمنة على جميع العقول عندما “تُصنع على أعينهم”؛ ومن جهة ثانية، ليوهموا ذوي العقول المعاشية، بأنهم أصبحوا من طبقة المفكرين؛ وهذا أيضا قد أفلحوا فيه. وما الفوضى التي تعيشها مجتمعاتنا على الخصوص، إلا نتيجة تبوّؤ المعاشيين للمناصب العليا، ولقيادة هذه المجتمعات فكريا وسياسيا. وعندما يصل المجتمع إلى انعكاس أمره، حين يصبح أراذله قادته، فإنه يكون قد حُكم عليه بالموت، الذي لن يطول أمد إعلانه بعد ذلك.

إن العقل الدجالي، ليست له المقدرة على مواجهة أهل الحق في المجتمعات؛ لذلك هو يسعى إلى جعل فئة من داخل المجتمع، تحارب بالنيابة عنه. ومن يتأمل التيارات الفكرية الغريبة التي تتوالد بيننا، وينظر إلى الجمعيات التي تنشأ سريعا، وتعيش على تمويلات خارجية بطريقة جلية أو خفية، فإنه سيعلم كيف يُتحكم في الشعوب اليوم، من غير غزو عسكري علني.

إن جعل العقل المعاشي في أعلى ترتيب العقول، ليس أمرا سهلا؛ وإنما هو عائد إلى عملية طويلة ومستمرة من التخطيط والتنفيذ. والعدو الأول للدجاليين، هو الدين الحق، الذي يرقي العقول إلى حيث ينكشف لها خداع المخادعين من غير عناء. ولهذا كان لا بد من ضرب الدين في مقتل (بحسب التمني)، حتى لا يوصل إلى ما كان ينبغي أن يوصل إليه. ولهذا سيُعمل على طمس معالمه الأصلية، ويُبقى على بعض ظاهره، ليعود عبئا على الناس، فينبذوه من أنفسهم شيئا فشيئا. وفي مقابل ذلك، يشار إلى معالم الدين الدجالي من أنسنة في مقابل الألوهية، وحقوق تابعة لها، تذهب معها كل الحدود العقلية المميزة بين أولي الألباب، والبهائم البشرية.

إن ما تعرفه المجتمعات العربية، بوصفها مجتمعات إسلامية في غالبيتها، هو تحول غير معلن وبطيء (نسبيا)، من الدين الحق إلى الدين الدجالي. وهذا التحول، ما كان ليُطمع فيه، لولا أن العقول المعاشية قد استلمت دفة القيادة منذ عقود (بالنظر إلى العصر الحديث). وقد بدأت نتائج هذا التحول الجزئي (لأنه لم يبلغ نهايته)، تظهر للعيان، وكأنها كوارث طبيعية لسعة انتشارها، لا تُقابل إلا بالتسليم…

لعل أهم ما بدأت المجتمعات العربية تعرفه الآن، انهيار النواظم السياسية والإدارية التي كانت تمسك البناء العام لكل مجتمع؛ وغياب النماذج التربوية، التي مُسخت مع التعليم العصري، إلى الحد الذي يكاد الإنسان يفقد إنسانيته معه. إن هذه الوضعية غير المسبوقة، ستدخل بها المجتمعات في المدى القريب، فوضى عامة، لا يُعلم لها أول ولا آخر. إن كل ما كان قبل هذا، يمسك المجتمعات عن التفكك والذوبان، من أسرة وقبيلة وغير ذلك، سيكون قد اندثر؛ ليكون الفرد مواجها وحده لنظام عالمي، لن ينظر إليه إلا كرقم ضمن العدد الكلي للعبيد الجدد.

إن هذا التغافل عما يجري الآن، من قِبل مَن يمكن أن يحولوا دون وقوع الكارثة، أو من يمكنهم تأخيرها قليلا، ستؤدي ثمنه الشعوب، عندما تفيق على الواقع المر. وإن كلامنا هنا يتوجه بالدرجة الأولى، إلى العاملين للإسلام بحسب الزعم؛ والذين لا يختلفون عن الفاسدين من السياسيين، ولا عن ناهبي المال العام من المجرمين. بل إن تنويم الناس بدين يضر ولا ينفع، هو أسوأ من كل سوء؛ لأنه يصيّر الدواء داء، في الوقت الذي يكون الناس في أشد الحاجة إليه.

إننا عندما نتكلم عن العقل وآفاقه، في هذه البيئة التي لا يكاد يوجد فيها عقل بالمعنى الصحيح، فإنما نريد أن ننذر شعوبنا مما هي داخلة فيه؛ لتعلم هول الاصطدام قبل وقوعه. لو كانت قياداتنا من مستوى عقلي أرفع بقليل، لتبينت ما نذكر، ولعملت على التخفيف من الأضرار بقدر المستطاع؛ ولكن عقولهم معاشية، لا يتجاوز إدراكها ما يتعلق بخصوصياتهم. وهم في الحقيقة قد صاروا خدما للمشروع العالمي منذ زمن بعيد، وأُعِدوا ليكونوا كذلك، علموا أم لم يعلموا.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ»[1]. إن تحذير الأنبياء جميعهم من الدجال، يبيّن خطورته وأثره على إدراك الناس، ما لم يكونوا تابعين لأهل النور. وليعلم أهل زماننا والذين يأتون بعدهم، أنهم قد بدأوا منذ الآن يتعرضون لضلالاته؛ لأن المنطق الدجالي، لا يظهر مع شخص الدجال وحده؛ وإنما يسبقه ليهيئ لمقدمه ويوطئ له. وهذا العبث بكل ما كان معدودا عند السابقين من المحامد التي لا يختلف الناس عليها، هو من سيادة المنطق الدجالي، الذي يقلب العقول المعاشية والمفكرة رأسا على عقب.

ومن كان يظن أنه يمكنه أن يواجه المنطق الدجالي بالفكر وحده، فإنه سيكون واهما؛ لأن الدجال مسلط على أهل الفكر، يتلاعب بهم كما يحلو له. ولا منجي منه إلا النور الذي يكون موروثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأصحاب هذا النور، هم أول من وجه إليهم الدجال سهامه؛ لا للنيل منهم، فهذا بعيد عنه؛ ولكن ليصرف عنهم الناس، حتى لا يحتموا بهم. فالمعرّض للضرر في هذا الزمان وما بعده، هم ضعاف العقول ومعدومو النور. ومن يتأمل تفاصيل صرف الدجاليين للناس عن الصالحين، فإنه سيرى العجب. سيرى كيف يسعى الناس إلى هلاك أنفسهم بأنفسهم، وهم لا يشعرون!…
______________
[1] . أخرجه ابن ماجة في سننه، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.