إعتذارك غير مقبول يا عائض يا قرني!

ما يحدث هذه الأيام من تحولات ماراطونية في المملكة العربية السعودية ، من الإنغلاق والجمود إلى التحرر غير المشروط ، يدعو إلى الدهشة لانقلاب أولي الأمر على القناعات الدينية التي روجت لها عقودا من الزمن ، مذ أتيح لآل سعود قيادة العالم السني على ظهر سفينة السلف الصالح وأهل السنة والجماعة…

منذ عقود كانت السعودية دركي المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وفق تحالف قديم جعل حكام شبه الجزيرة العربية يسبحون بحمد الحماية الأمريكية لهم ويتوافقون مع مصالحها حتى لو كان المقابل تدمير دول عربية شقيقة مثل : العراق وليبيا وتخريب أخرى وجعلها دولا فاشلة وضعيفة مثل سوريا واليمن..الخ

اليوم جاء رئيس جديد أكثر براغماتية من سالفيه ، ولا يعرف سوى لغة السوق منطقا للتحاور وكسب المال من وراء ذلك.

جاء ترامب وبعث برسائل صارمة إلى الحكام السعوديين ، ومن عليهم بالحماية الأمريكية ، وهدد بشكل مبطن كل تملص من الدفع نقدا مقابل تلك الحماية فكان له ما أراد.

ومع مجيء ولي العهد السعودي ليقود المملكة ، حاول هذا الأخير مجاراة تحولات العالم ومسح أخطاء المملكة في دعمها السابق لما تسميه أمريكا ” الإرهاب الوهابي ” الذي خرج منه تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن والزرقاوي والظواهري…الخ

تحرك ولي العهد سريعا وبدأ يقلم أظافر فقهاء المملكة ممن أصبحوا بقدرة قادر متشددين ومتطرفين ، وهكذا عرفت المملكة سلسلة اعتقالات في صفوف رجال الأعمال والفقهاء وتم إلغاء هيئة ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” وتعويضها بهيئة الترفيه ، وتم الترخيص لعدد من المهرجانات والسهرات التي يستدعى لها فنانون وازنون…

لكن ما هو مثير في كل هذا هو خرجة الداعية عائض القرني صاحب الكتاب الشهير ” لا تحزن ” ليعتذر للعالم الإسلامي عن كل الأفكار والدعاوى والفتاوى التي صدرت عنه باعتبارها كانت مجانبة للصواب وكانت محرضة على العنف والتطرف وعلى الإرهاب…

وأنه يدعو للإسلام الذي يؤمن به محمد بن سلمان الحاكم بأمر ترامب..

فبعد عقود من الدعوة الزائفة والتجارة بالدين وربح الملايير والإغتناء الفاحش من وراء تلك التجارة المربحة التي تتغذى من الإستهلاك الشعبي لها من طرف مؤمنين فتحوا أعينهم على أفكار شيوخ الفتنة والتحريض على كراهية الآخر ، وجواز قتل الناس والتعصب لدين موروث ، وفكرة الجهاد في سبيل الله ، والإستشهاد من أجل الدخول إلى الجنة ، هناك حيث يروج دعاة القتل لوجود الحور العين وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر…

فكان أمثال عائض القرني وغيره من شيوخ الفتنة والتحريض على العنف يدعون إلى الصبر والجلد وتأجيل المطالب بالحقوق إلى اليوم الآخر هناك حيث يسود العدل فيدخل الفقراء الجنة بدون حساب لأنهم صبروا ولم ينتفضوا ولم يطالبوا بأي حق لهم…بينما كان نفس الدعاة يراكمون الثروات ويغتنون ويملكون القصور والسيارات الفارهة والأرصدة المكدسة في الأبناك…

وبعد انقلاب الحاكم عليهم ، فرمل هؤلاء سرعتهم وحولوا القيادة على طريق سيار اختاره لهم الحاكم بأمر ترامب ، وفي هذا السياق أعلن عائض القرني ثوبته لكن بعد ماذا ؟ بعد خراب مالطة ؟!!

عن أي اعتذار يتحدث عائض القرني ؟ وهل ينفع اعتذاره بعد تسميم عقول الشباب العربي والمسلم بأفكار هي ما جعلت الإلتحاق بداعش إحدى تجلياتها ؟!

نقول لهذا الأفاك ولأمثاله من شيوخ الفضائيات ، اعتذاركم غير مقبول حتى تراجعوا ثروتكم كما راجعتم افكاركم تحت الضغط ، وتستثمروا الأموال التي جنيتموها من التجارة بالدين فيما يعاكس هذا التوجه ، أي تمويل مراكز بحوث علمية تعنى بتنوير العقول وإشباعها بروح العلم لا بوهم الإيديولوجيا التي أثخمت العقل الإسلامي وجعلته صادا لكل دعوى علمية علمانية تروم الإنعتاق من ربقة الجهل والتخلف…
بقلم : محمد علي لعموري