قراءة “المقرئ” لـ”رواء مكة” قراءة سياسوية

استمعت لتعليق الداعية الإسلاموي المقرئ الإدريسي أبو زيد، وهو من أبرز الوحوه الإعلامية الناطقة باسم الحركات الأصولية في المغرب، وهو يتوسط مجمعا من الوجوه البارزة في الفضائيات الإسلاموية الدعوية بشقيها الوهابي والإخواني.
لكنني تأسفت كثيرا، لكونها لاقت من الرواج ما لا تستحقه. فهي ليست قراءة علمية، ولا علاقة لها بالنقد الأدبي، وأقصى ما يمكن أن يقال في حقها: إنها قراءة سياسوية، وذلك لعدة اعتبارات، منها:

1 – أن المقرئ الإدريسي أبو زيد ليس من أهل الفن، فلم يعرف عنه أنه أديب أو ناقد أدبي، وإنما هو داعية على الطريقة الإسلاموية المستوردة من الخارج، أعني طريقة الإخوان المسلمين، وخطابه في غالب الأحيان خطاب شعبوي مليء بالكلمات النابية، وبالعبارات الوقحة.
2 – أنه حرف مسار الرواية، ليوهم القارئ بأن حسن أوريد تاب من حالة الضياع والانحراف والإلحاد والإدمان على الخمر إلى الالتزام بالمفهوم المتداول عند الحركات الأصولية.
3 – أنه عد فيء حسن أوريد انخراطا في سلك هذه الحركات.
4 – أن خطاب المقرئ أبو زيد يدلس في استعمال اللغة، من أجل أن يكرس أن الإسلام والحركة الإسلامية مترادفان، وأن من عدل عن طريق الانحراف وتاب إلى الله، فإنه فاء إلى أحضان الحركات “الإسلامية!”.
5 – أن خطاب المقرئ أبو زيد مطبوع بطابع النفاق، فمما وصف به حسن أوريد أنه فيلسوف، وهي صفة لم يدعها حسن أوريد لنفسه، وهو أشرف من أن يصف نفسه بما ليس له، ففلاسفة المغرب في فترتنا المعاصرة معروفون، من قبيل: عزيز الحبابي، والمهدي بنعبود، والمهدي المنجرة، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وطه عبد الرحمن، إلخ، ولا يمكن البتة أن نصنف حسن أوريد ضمنهم، ولست أدري كيف غاب عن الداعية الأصولي المثل السائر الذي يقول: “من مدحك بما ليس فيك فقد ذمك”؟

وعليه، فإن دعاوى المقرئ أبو زيد فاسدة لأمور كثيرة، منها:
أ – أن حسن أوريد كان مسلما، ولا حق لأحد أن يدعي أنه لم يكن كذلك.
ب – أنه انتقل من التأمل في قضايا عقدية وكونية بطرح أسئلة أنطولوجية قد تعرض لكل المؤمنين.
ج – أنه وجد الإجابة عن هذه الأسئلة في لحظة عشق إلهي يدركه كل من حج بيت الله الحرام، وعاش في تلك الأجواء الروحانية.
د – أن حسن أوريد – بهذا التحول – قد انتقل من طور طرح الأسئلة، التي قد تقترن ببعض الآفات، من قبيل التساهل في أداء بعض الواجبات الشرعية إلى طور الجواب عن تلك الأسئلة وما تقتضيه من تحمل المسؤولية الأخلاقية لدى الاقتناع بالإجابات التي عثر عليها.

كل ما في الأمر – إذن – أن حسن أوربد رجل شريف يحترم نفسه، ويتحلى بروح المسؤولية، ويدرك جيدا ما معنى أن يكون وفيا للمبادئ، بمعنى أنه يرى أن كل مبدإ ديني أو أخلاقي يحمل وراءه قيمة أخلاقية يجب التخلق بها. وما دام قد استقر على مبادئ جديدة، فلا معنى لخيانتها.
وهذا على النقيض تماما من طريقة “الإسلاميين!” في التعامل مع الأشياء، طريقة تقوم على الانتهازية، والوصولية، والخيانة، وشراء الذمم، وعض الأيادي التي تحسن إليهم.

إن الفكر الإخواني – وكذا قرينه الفكر الوهابي – فكر خطير جدا، لأنه يستغل بعض المواقف لصالح نشر أفكارهم المتخلفة، وإيديولوجيتهم المهترئة. إنهم يريدون أن يصنعوا مع رواية حسن أوريد ما صنعوه مع كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد، حيث حرفوه عن مقاصده، ووظفوه في خدمة خطابهم الإسلاموي والسياسوي والشعبوي، واستعملوه في نصرة أصوليتهم الإقصائية، بل أوهموا الناس أن إدوارد سعيد يخدم إيديولوجيتهم، وأن أفكاره تتماشى مع مقاصدهم فيما يسمونه كذبا وزورا: “المشروع الإسلامي البديل!”.
والأمر بخلاف ذلك تماما، لأن هذا المفكر الأمريكي الفلسطيني النصراني النزيه والشىريف، لم يقصد مهاجمة الاستشراق، ولا خدمة الأصولية الإسلاموية، وإنما قصد وضع منهج علمي لتقويم وتقييم الأعمال الاستشراقية، وللتمييز بين الاستشراق الموضوعي والاستشراق الإيديولوجي.

والأمر نفسه صنعوه مع كتاب “ثغور المرابطة” لطه عبد الرحمن، حيث يوظفونه الآن في تقوية مواقفهم السياسية إزاء بعض الأحداث الدولية الجارية، ولهذا انقلبوا، على حين غرة، من محارب لطه عبد الرحمن، وطاعن في فكره، ومستهزئ بتوجهه الصوفي، إلى ممجد له، ومقدس لمواقفه السياسية الواردة في كتابه المذكور.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على هشاشة إيديولوجيتهم، واهتراء فكرهم، لأن فكرا يحتاج إلى أفكار غيره ليتقوى بها، قمين بأن نحكم عليه بالموت والهجران.

ولهذا أستطيع القول: إن الفكر الإخواني المتخلف، يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولن يكتب له البقاء، وسيموت قريبا جدا.
إن أخشى ما أخشاه أن يتحول كتاب “رواء مكة” إلى مشجب تتعلق به الحركات الأصولية لتجبر به الكسور التي حلت بكيانهم، أو ستار تغطي به فضائحهم السياسية التي أفرزتها أخلاق النفاق والانتهازية، والوصولية. بل أخشى ما أخشاه أن يرفع (بضم الراء وفتح الفاء) “رواء مكة” لتختبئ وراءه صفوف من المرتزقة بالدين لتحقيق مكاسب سياسية جديدة، بعد أن لم يتركوا في الأمة أي مكسب، إلا واستولوا عليه، أو خربوه، أو وضعوا المتاريس لئلا يصل إليه غيرهم، وتركوا الشعب المغربي على حافة الانهيار والتسول المهين.

إن ما لا يريد أن يفهمه أتباع التيار الإخواني الإقصائي، هو أننا لسنا مع مشروع محاربتهم، ومهاجمتهم، وخنق أنفاسهم، ولكننا نرفض محاولاتهم البئيسة والمخادعة في فرض هيمنة إيديولوجيتهم، كما نرفض النفاق الديني والسياسي الذي هم بارعون فيه جدا، وترقبهم الذئبي لبعض المواقف الصادرة من الغير، من أجل استغلالها لصالح مشاريعهم التخريبية، سواء كانت تلك المواقف صادرة من غير المسلم (نموذج “الاستشراق” لإدوارد سعيد)، أو من المسلم الذي يرونه طرقيا مبتدعا (نموذج “ثغور المرابطة” لطه عبد الرحمن)، أو من المسلم الذي يرونه ملحدا متحللا من الشريعة (نموذج “رواء مكة” لحسن أوريد).

إننا لا نبتغي من هذه التدوينة إلا قول الحق، وتنبيه هذه الحركات الأصولية للعدول عن ممارسة النفاق مع الأمة. وبكلمة: إننا مع مشروع إحياء الهوية الحقيقة لأمتنا، إحياء قلبيا، وروحيا، وعقليا، وسلوكيا، وهي الهوية المؤسسة على:
فقة مالك، وعقد الاشعري، وطريقة الجنيد السالك.
اللهم قنا شرهم، واجعل كيدهم في نحورهم.

خالد زهري
(العنوان من اختيار الموقع)