قراءة في تاريخ الحركة الإصلاحية بالمغرب ودورها في محاربة الطرقية

ذ.منتصر الخطيب/تطوان
كان الداعي لكتابة هذا المقال أولا ما دار من نقاش في ندوة علمية في موضوع التصوف بالغرب الإسلامي حضرتها (1)سابقا، فلاقت هذه المناقشة هوى في النفس لاستلهام بعض ما أنجزته من مقالات سابقة في الموضوع ذاته، وولدت لدي رغبة في إثراء هذا النقاش حسب ما استجد من الاطلاع والبحث فخلصت إلى كتابة هذا المقال، ثم ثانيا أنه يأتي استكمالا لموضوع سالف نشرته على صفحات إحدى المجلات الدورية بعنوان: “تجليات الفكر المغربي” (2) بينت فيه ما تميزت به السلفية بالمغرب في فترة ما يمكن أن نسميه “بدايات النهضة” وهي المرحلة التي تلت احتلال المغرب – من طرف الفرنسيين والإسبان – واقترنت فيها بالنضال السياسي ضد المستعمر الأجنبي وبالدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي.
وقد بينت من خلال ذلك المقال أن السلفية في المغرب قد اتجهت نحو الاندماج في الحركة الوطنية وتبني أهدافها النهضوية التحديثية، خصوصا عندما جند المستعمر بعض الجماعات الدينية -من الطرق الصوفية التي تنعت بالطرقية- والقوى المتخلفة المتعاملة معهم، ضد الوطنية والسلفية. بل يمكن القول إن الوطنية المناضلة إنما خرجت من جوف السلفية تماما مثلما أن السلفية انتشرت في جسم المجتمع المغربي وتغلبت على الطرقية -خصمها الديني- باندماجها في الحركة الوطنية ورفعها راية النضال ضد المستعمر وأعوانه وعملائه. كل ذلك جعل حمولة مفهوم “السلفي” تتوسع ليشمل في آن واحد: محاربة الاستعمار، ومحاربة البدع والتقاليد الاجتماعية “الشعبية”، والدعوة إلى التجديد والتحديث في كل مجال في الفكر والسياسة والاجتماع، وأيضا في مجال وضعية المرأة، بالدعوة إلى تعليم المرأة وإدماجها في الحياة العامة الخ، كما يظهر من خلال مجموعة من البحوث المنجزة في هذا الموضوع.(3)
وقد ذهب أبو بكر القادري إلى أن الحركات الاستقلالية في المغرب انطلقت من أساس سلفي، مبينا أن السلفية كانت محور العمل الوطني المشترك: «اتخذناها قاعدة فكرية لكفاحنا ومرجعا مذهبيا لتحركاتنا ومنبعا لتوجهاتنا ومصدرا للاستلهام والاستمداد والاهتداء.. فكانت حركاتنا الوطنية سلفية الروح والمحتوى؛ تهتدي بالقرآن الكريم وتقتدي بسنة رسول الله (ص) وتتجه وجهة السلف الصالح..».(4)
وبذلك حققت هذه الحركات بعدها الاستراتيجي المتمثل في ملاحقة الاستعمار ودحره ورد أساليبه الاستعمارية المستغلة لهذه الجماعات الصوفية الطرقية الجامدة التي وقعت في أحبولة سلطات الحماية حيث حادت عن طريقها ومقصدها الأصلي المتمثل في جهادها ورباطها ضد أعداء الإسلام.
لقد كان لخطر هذه الطوائف أن صارت تهدد المجتمع المغربي في عقيدته، ومستقبل بلاده، خاصة بعد أن ثبت تاريخيا تدخل بعض رؤساء الزوايا في شؤون البلاد، وممالأتهم للمستعمر، وكانت لهم أساليب ماكرة كما يقول أحد الباحثين: «فقد حصلوا على مراكز عظمى في القلوب، واستعمروا متسعات كبيرة كانت فارغة في النفوس لما لهم من القدرة على تملك المشاعر والسيطرة على الإحساس والوجدان بأساليب الخداع التي يستعملونها، وطرق التدليس التي يسلكونها»(5)، ومما زاد في هذه الفترة في سلك هؤلاء الطرقيين وانجرافهم مع تياراتهم «أنهم بدل اشتغالهم بمحاربة تلك البدعة الشنيعة في دروسهم، وخطبهم ومواعظهم حتى لا تعم تلك البلوى بها.. صاروا يعللون جوازها بعموم البلوى بها، ونحوه من التعليلات الواهية الموقعة في الهاوية».(6)
وقد كتب عدد من رواد الفكر المغربي حول هذا الموضوع يبينون من خلاله الأدوار التي قاموا بها لمحاربة هذا النوع من الفكر المتهاوي؛
-فقد رصد عبد الهادي بو طالب (7) أهم المقومات التي قامت على أسسها هذه الحركات الإصلاحية بالمغرب والقائمة – بحسب رأيه- على أسس أربعة وهي:
1. الدعوة للرجوع إلى مصادر الدين الإسلامي للاستقاء منها.
2. فتح باب الاجتهاد لتطوير التشريع بما يواكب تطور العصر.
3. مقاومة البدع والانحرافات التي اعتمدها بعض رجال الطرقية التي كان الاستعمار يحاول تسخيرها واستغلالها.
4. اعتمادها على نشر العلم من تفسير وحديث باعتباره المرجع الأول لفهم الإسلام.
– وهو نفس الرأي الذي تبناه عبد الكريم غلاب في تأريخه للحركة الوطنية والذي قال فيه:
«إن المفهوم الجديد للحركة الوطنية.. يعني:
– تحرير الوطن (من) الأجنبي،
– ويعني توحيد الوطن الممزق،
– ويعني القضاء على الخرافة والانحرافات الأخلاقية والدينية والاجتماعية..(8)
وقد كانت الطرقية المنتسبة إلى التصوف هي الحاملة للواء الجهل والخرافة، لذلك فإن الوطنية المغربية قاومت الطرقية وتبنت السلفية بالمعنى الثوري؛ أي تخليص الإسلام مما علق به من خرافات نتيجة الإسرائيليات وترسبات الجهل بروح الإسلام(9). ولذلك- يقول- جاءت السلفية لتؤكد أن حقيقة الدين وأصوله السليمة لا تتفق مع هذا التواكل، وضد هذا الاتجاه الخرافي والرجوع إلى رأي السلف في الدين يحرر العقل من كل الخرافات التي لصقت به باسم الدين، والسلفية بهذا المعنى تقدمية قامت لإنقاذ البلاد الإسلامية من التخلف والاستعمار.(10)
– وكتب المكي الناصري كتابا في الموضوع سماه”إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة”جاء فيه: «ومن هذه البدع اتخاذ القبور حرمات ومعابد، وابتداع أحكام جديدة في الدين، وخلق أذكار وأوراد يتبرأ منها الإسلام وكتابه الكريم وسنته السمحة، والإعراض بذلك عن تلاوة القرآن، والتغالي في مدح الرسول الذي نهى عنه، والمبالغات السخيفة في الاستغاثة بالشيوخ، والاستمداد منهم بصيغ لو سمعها مشركو قريش لنسبوا أصحابها إلى الكفر والزندقة، والمروق من الدين..».(11)
ويظهر أن هذه الحملة الإصلاحية على الطوائف الصوفية الطرقية كانت عنيفة حتى وصلت إلى حد الشتائم، لأن هؤلاء العلماء اعتبروا أن كل ما حل بالبلاد من اضمحلال وفساد مرجعه إلى ضلال هذه الطرقية؛ يقول المكي الناصري: «إن كل ما أصابنا من أنواع الانحطاط والجمود،والفشل والافتراق، والتنازع والتباغض، والتحاسد والشقاق إنما هو من نتائج بدع المتصوفة المبطلين»(12)، وقد كان كتاب إظهار الحقيقة أول ما ألف في الموضوع،وقامت حوله ردود فعل كثيرة ومعارضات.
ومقارنة بسيطة بين ما كان يدعو له رواد النهضة بالمغرب وبين ما كان يدعو له أقرانهم في البلاد المجاورة كالجزائر يتبين لنا مدى الالتحام الفكري بين أفكار هؤلاء على العموم،
– يقول عبد الحميد بن باديس في هذا الصدد: «..إنَّ المصلحين ما تصدَّوْا لمقاومة الطرقية إلاَّ بعد أن رأوا رؤساءها قد قعدوا للمسلمين على رأس كل طريق للخير يصدُّونهم عنه، قعدوا على طريق التَّوحيد، فإذا دعونا الناس إلى عبادة الله وحده وسؤالِهِ وحده والقَسَمِ بِهِ وحده والرجاء فيه وحده والخوف منه وحده والخضوع له وحده – أَبَوْا إلا أن يحلف النَّاس بهم وإلاَّ أن يخضعوا لهم ويرجعُوا تصرّفهم لهم ويخافوا دعوة شرّهم..» إلى أن يقول: «فبعد هذا البيان لا نظنُّ أحدًا من أهل العلم والدين والنُّصح للإسلام والمسلمين يتردَّدُ في استصواب ما سلكه المصلحون من مقاومة الخرافات الطرائقية وضلالاتها ومضارِّها» (13)
– ويقول البشير الإبراهيمي عن سبب الخلاف بين السلفية وبين الصوفية الطرقية: «إنَّ الخلاف بيننا وبين هؤلاء ليس في مسائلَ علميةٍ محصورةٍ يعدُّونها في كلِّ بلدٍ بعددٍ ويُكثرون حولها اللغط ليوهموا الناس أنَّ الخلاف علميٌّ.. وإنما الخلاف بيننا وبينهم في طُرقهم وزواياهم، وما يرتكبونه باسمها من المنكرات التي فرَّقتْ كلمة المسلمين، وجعلت الدين الواحد أديانًا، فقلنا لهم ولا نزال نقول: (لا طرقيَّةَ في الإسلام)، وأقمْنا على ذلك الأدلَّة من الدين وتاريخه الأوَّل والعقل ومقتضَياته». (14)
– ويقول العربي اللوه – في نفس السياق- وقد خبر أمور الطرقية وحارب دعوتها من خلال استوزاره على رأس وزارة الأوقاف المغربية بداية عهد الاستقلال: «فهناك ضلالات وانحرافات ترتكب في عموم المغرب مما يعتبر بجلاء امتدادا لعهد الوثنية؛ ذلك ما يشاهد من انهماك القوم وتماديهم في زيارة الصخور والكهوف والأشجار والعيون، وغير ذلك تبركا بها.. هذا ما عمت به المصيبة ورسخ في نفوس العوام والجهال من طريق التوارث جيلا عن جيل..».(15)
ويضيف شارحا أوضاع هؤلاء وعرض الأعمال التي يقومون بها ويدعون الناس إلى العمل بها: «إن الذين ينتحلون الطرق الصوفية ويزعمون أنهم أولياء الله المقربون وأنهم تفرغوا لعبادة الله تعالى وإرشاد الخلق إلى المحافظة على الدين الإسلامي، لا يزالون بدورهم ينتهجون طرق التمويه والتلبيس والتضليل التي كان ينتهجها الأحبار والرهبان في الجاهلية حتى جعلوا الأغمار والجهال يعبدونهم ويقدسونهم.. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد،لكنهم ويا للأسف تهافتوا على ما هو أفظع وأشنع،ذلك أن المستعمرين المتكالبين على استعباد الأمم في سائر الأقطار جعلوا من شيوخ الطرق وأصحاب التصوف المزيف في البلاد الإسلامية الركيزة الأولى والدعامة القوية لإضعاف الشعوب الإسلامية بتمزيقها وتشتيت كلمتها، فالمستعمرون بعد أن اطلعوا على خبايا أصحاب الطرق وتيقنوا أن الحافز لهم على جمع الأغمار حولهم ليس هو الدين وإنما هو المال، أخذوا يتصلون بهم ويقدمون لهم الأموال والهدايا..وكل من يطلع على تاريخ الجزائر يعلم ما قاساه الأمير عبد القادر الجزائري في كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي من أولئك الشيوخ الذين كانوا يخذلونه وينفرون منه أتباعهم..وبهذا يظهر أن الطرقية الصوفية كانت من أبرز الذرائع وأقوى المغريات التي ساهمت في احتلال المغرب واستعباده من طرف المستعمرين الغزاة تحت الستار المزيف بحماية العرش والدين والوطن..».(16)
– وقد تكلم محمد بن عبد السلام بن ناصر الدرعي-في الموضوع ذاته- عن عدد من بدع المتصوفة وأتباع الزاوية الناصرية في مخطوط له بعنوان “المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا”، وقد استنكر فيه على إخوانه عددا من البدع والمحدثات التي كانت تقع بالزاوية من مثل الدعاء جماعة وزيارة القبور يوم العيد والذبيحة على الأشياخ بنية التقرب واجتماع الرجال والنساء للحضرة..(17)، وذكر الناصري في كتاب له بعنوان: “تعظيم المنة في نصرة السنة” عددا من بدع الصوفية ومنها؛رقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله والشطح والرقص الصوفي والذكر الجماعي وغير ذلك..(18)
– وممن ألف في هذا الموضوع الفقيه أحمد ابن تاويت التطواني في رسالة سماها “إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا” رد فيها على من أجاز ذلك؛وقد أجاد فيها وأتى بالنصوص المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشفي الغليل ويبرئ العليل، وأسمع لو نادى حيا، ولكن لا حياة لمن ينادي..(19)
هذه جملة من نصوص علماء المغرب الذين دخلوا في سجال كبير لمتابعة هذا الوضع الذي عرفته الساحة المغربية،ويبينوا دور الحركات الإصلاحية في تشريح الأوضاع وإصلاحها،حيث تصدوا بفكرهم وجهادهم لدعوى التصوف الطرقي الذي عانت منه دول المغرب العربي في المرحلة التي تلت احتلاله ومن قبله باقي دول العالم الإسلامي، جمعتها ليتضح لنا دور هؤلاء في إصلاح مجتمعهم وفق رؤيتهم السديدة في نبذ كل ما خالف فيه أولئك المقصد العام للتوجه العام للتدين بالمغرب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الندوة التي نظمتها جمعية درر للثقافة والتنمية بمعهد سيرفانطيس بتطوان:”أعلام التصوف بالغرب اﻹسلامي”بمشاركة اﻷساتذة: محمد كنون الحسني- و منتصر حمادة- وأستاذ اللغة العربية بجامعة اشبيلية الدكتور بابلو بينيطو ومن تسيير ذ.خالد البقالي القاسمي- وذلك أيام 21و22 و23 يونيو 2018-
2 – نشر على صفحات مجلة أفكار
2 – انظر مثلا مقال لعبد الرحيم مفكير “أبو شعيب الدكالي رائد الإصلاح السلفي”
3 ـ من كلمة أبي بكر القادري في ندوة الحركة السلفية- انظر “الحركة السلفية بالمغرب العربي” الطبعة الثانية/2010-ص: 29 وما بعدها.
4 ـ نفسه
5 ـ مقال” أحمد بن المامون البلغيثي وأبو شعيب الدكالي- بعض نقط اختلاف في الاتجاه الفكري والمذهبي”- أحمد العلمي- وانظر كتاب أبو شعيب الدكالي لعبد الله الجراري-ص:15
6 ـ مقال لعبد الهادي بوطالب في كتاب “الحركة السلفية بالمغرب العربي” الطبعة الثانية/2010-ص: 29 وما بعدها.
7 ـ تاريخ الحركة الوطنية- عبد الكريم غلاب- الموقع الإلكتروني-
8 – نفسه-ص:17
9 ـ نفسه-ص:23
10 ـ وهو كتيب صغير طبع سنة 1925
11 ـ نفسه
12 مقالة الأستاذ محب الدين الخطيب لمقاومة الطرقية والطرقيّين – “الشهاب”: (ج5/م10) محرم 1353هــ ، أبريل 1934م 14 – ص:210-212
14 ـ مقال بجريدة الآثار-1/303
15 ـالمنهال في كفاح أبطال الشمال-العربي اللوه-مطبعة الخليج العربي/تطوان-ص:12 وما بعدها
16 ـ نفسه
17 ـ علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم- مصطفى باحو-سلسلة بحوث في مذهب المالكية-الطبعة الثانية-منشورات السبيل
18 ـ نفسه
19 ـ نفسه