الدكتور طيب تيزيني

د. عبدالجبار الرفاعي
رحل اليوم عن عالمنا الصديق العزيز د. طيب تيزيني، الذي قرأت أعماله مبكرا، لكني تعرفت عليه في مؤتمر جمعنا في جبيل بلبنان قبل سنوات، ودام التواصل الأخوي بيننا…

طيب تيزيني رحمه الله مفكر أخلاقي صادق، غيور على الناس، يفرض عليك أدبه وتهذيبه أن تنجذب إليه وتبجله وتتشيث بصداقته، لأنه كنز أخلاقي وفكري يقل أمثاله اليوم. رأيته يجهش بالبكاء وهو يتحدث عن مأساة وطنه بمرارة وحرقة، فكانت دموعه تتحدث بما لم تتسع له كلماته، رأيت دموعه أبلغ من كلماته…

يفرض طيب تيزيني على القارئ الخبير أن يحترم كتاباته ويعجب باجتهاداته، وإن كان لا يتفق مع منهجه، وبعض مفاهيمه وأدواته ونتائج اجتهاداته،لأنه من المفكرين العرب النادرين في هذا العصر الذين برعوا في كتابة المتون، ولم يغرقوا في الهوامش والشروح…

طيب تيزيني باحث عميق، تعلَّمَ في أفضل جامعات ألمانيا، وهو يتقن عدة لغات، لا يعرف الكسلُ إلى حياته طريقًا، أنجز اطروحة الدكتوراه بعنوان: “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة”، ونشرت بالألمانية عام 1972. وتلخص هذه الاطروحة رؤيته للماضي ومنهجه الجدلي في اعادة قراءة التراث من منظور مختلف، والذي أصدر خارطته الأولى عام 1971 بعنوان: “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”، وتوالت طبعاته بعد ذلك.

وأشار في مقدمته إلى أن هذا المشروع سلسلة تتألف من 12 جزءا، وفقًا لتحقيب اقترحه لنشاة وتشكل التراث وصيروته عبر التاريخ. وأصدر منها: “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى” 1982، و”من يهوه إلى الله” 1985، و”مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” 1994، ثم أصدر عدة مؤلفات بعد ذلك، مثل: “النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة” 1997…

حاوره مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة د. محمد حسين الرفاعي حوارًا موسعًا، ونشرنا الحوار في العدد 61-62 الصادر في عام 2015، وقد تحدث بالتفصيل عن رؤيته الخاصة في تطبيق: “الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية”…

لن يموت صوت طيب تيزيني وكل صوت حر، مادام في الأرض ضمير حي وفكرحر، ينشد ايقاظ عقل الإنسان وتحريره من كل أشكال الاستعباد.