يا إسلامي احفظ كرامتك‎

اسماعيل حريري
للعامل الوراثي أثر عظيم في إحساس الإنسان بكرامته واعتزازه بنفسه، لا شك في ذلك، كما لا شك في أن العامل الأكبر والحاسم يبقى من نصيب النشأة والطبع، فإذا كان العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، والخلق بالتخلق، فإن الطبع بالتطبع لا يشذ عن باقي رياضات النفس كما تقرر في علمي النفس والأخلاق.

يحكي لنا أنيس منصور في “صالونه” عن العقاد أنه تعاقد يوما مع دار تطبع له كتابا معينا مقابل أجرة متفق عليها، وبعد إتمام الكتاب وخروجه للوجود طالب العقاد بأجره الذي تأخر قليلا عن موعده المحدد، فماذا فعل العقاد يا ترى؟ صب جام غضبه على البنك ودار النشر ومديرها وسبهم وشتمهم ولعن أم سلسبيلهم: كيف لرجل مثل العقاد الذي قرأ 70 ألف كتاب أن ينتظر هؤلاء الحمقى الجهلة؟؟!! هكذا صرخ العقاد!!

وفي المقابل، نجد قيدوم الصحافيين المغاربة يروي أن الحسن الثاني العاهل المغربي السابق غضب غضبته الملكية الشهيرة ـ ذات جمر ورصاص ـ على المحجوبي أحرضان، فما لبث هذا الأخير أن انزوى واعتكف في حظيرة أبقار “كوري” ـ أعز الله القارئ والسامع!! ـ، ورفض الخروج منه واستئناف حياته العادية حتى تأتيه العتبى من سيده، وقد رضي عنه “سيدنا” بعد أن تاب للمخزن توبة نصوحا وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!!

فتأمل يا رعاك الله؛ هذا الأديب العصامي الموسوعي الذي لا يرضى بدونه وهوانه، والذي سد في الفكر الإسلامي ثغرات لم يسدها المتخصصون في أوانه، فهو ذو كرامة وليس له مال، وذاك السياسي الذي كان جنديا سابقا في صفوف الفرنسيس أيام الاستعمار ونزا على السياسة ما شاء وتقلب في فراشها الوثير كيف شاء، ذو مال وفير وليس له من الكرامة ناقة أو قطمير!!

مشكلة الإسلاميين ومشاكلهم كثيرة أنهم توهموا الدولة إناء فارغا يسكبون فيه ما يحلو لهم، وظنوا إناءها مثل الهيولي يشكلونه بفكرانياتهم شرط الوصول للحكم والتمكن من مقاليد القرار والسلطة.

وهؤلاء النفر وإن كانوا على ثغر المدافعة والوقوف في وجه الدهريين ممن فصلوا السياسة عن الدين وجعلوا القرآن عضين، فقد غفلوا أو نسوا أن الدولة الحديثة بنت الحداثة، وأن الحداثة لا يقين فيها إلا الشك، وأن الإسلام دين يقين لا شك فيه، وأن زواج الإسلام بالحداثة إما يقين مشكوك فيه، فهو ليس باليقين، أو شك متيقن منه، فهو شك على كل حال، وغاب عن أذهانهم أن أسلمة الدولة الحديثة وهم، وأن الدولة الإسلامية مستحيلة بتعبير وائل حلاق، وقد وصل الإسلاميون في بعض البلدان إلى الحكومة بالفعل ولم يصلوا إلى الحكم، وتقلصت طموحاتهم بدرجة عجيبة وغريبة؛ من إعادة الأمجاد وإحياء الخلافة إلى الأسلمة، ومن الأسلمة إلى المشاركة المشروطة بجلب المصلحة ودفع المفسدة، ومنها إلى نقض الشروط واحدا تلو اللآخر والاقتصار على مشروعية مزاحمة القوم بدعوى النزاهة والأمانة (نحن لا نسرق على الأقل) مضموما إلى محاولة بعضهم التفتيش والتنقيب في التراث الإسلامي ونصوص الفقهاء لتأصيل العلمانية وإلباسها لبوس الشرع والفقه بالمصطلحات التراثية!!

تسالني ما الحل؟ لا أدري وربما في حديث عائشة… لكن على الأقل لا تناكف القوم وتستفزهم وتحرك بدعوتك في المجتمع طولا وعرضا، بث فيهم القرآن ومعاني الدين وقضاياه المحورية والأساسية والجمل المنصوصة في الكتاب والسنة، فهذا هو المقدور عليه يقينا، وهو الذي كلفنا الشارع به إذ لا تكليف إلا مع القدرة، وغير هذا ضرب في جرب، ورماية في عماية، وتيه وضلال. والله أعلى وأعلم ونسبة العلم إليه أحكم.