السياقات العامة لتدبير الشأن الديني في المغرب

منتصر حمادة

مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث. الرباط

 

تدبير المجال الديني في العالم الإسلامي، ومنه المغرب، لا علاقة له بتدبير المجال الديني في باقي المجالات الثقافية والحضارية، من قبيل المجال الأوربي أو الياباني.. إلخ.

تدبير المسألة عند المسلمين، ومنذ منعطف أحداث السقيفة، ليس مسألة هزل أو فوضى أو ترف مؤسساتي، وإنما ملف شائك وغالباً ما يمر من إكراهات وتحديات، وبل قد ينتج صراعات وحروب في حال ترك الساحة للفراغ، ومن واجب السلطة الزمنية الحاكمة، بصرف النظر عن مرجعيتها هنا، وعن شكل النظام (ملكي، أميري، رئاسي، إمبراطوري، جمهوري.. إلخ)، أن تسهر على تنظيم وحراسة هذا المجال حتى لا تنزلق حيثياته إلى ما لا يحمد عقباه.

وفي الحالة المغربية، وإضافة إلى المحددات أعلاه، ومحددات أخرى، يتداخل فيها ما هو تاريخي وما هو ثقافي، هناك خصوصية لا توجد في أي دولة مسلمة، وهي وجود مؤسسة، تسهر على هذا التدبير بشكل رسمي، أو قل بمقتضى الوثيقة الدستورية، والحديث عن مؤسسة إمارة المؤمنين.

وبالتالي، يجب قراءة تدبير السلطة في المغرب لتدبير الشأن الديني، عبر مجموعة من المؤسسات، والقوانين التنظيمية وما إلى ذلك، في سياق تطبيق أدوار مؤسسة إمارة المؤمنين، لأنها حامية الملة والدين في السياق المغربي، وهي الساهرة على حماية التدين المغربي، أو ما يصطلح عليه الإسلام المغربي، والذي يكاد يكون نموذجاً يقتدى به في المنطقة خلال العقد الأخير، من فرط الطلبات التي تتوصل بها السلطة المغربية ذاتها في سياق الاستفادة العربية والإفريقية والأوربية من تدبير الشأن الديني في المغرب.

هذا هو الإطار العام الذي تشتغل تحت سقفه جميع المؤسسات الدينية المغربية، في إطار احترام ثوابت مغربية خالصة، ولا مفر من احترام هذه الثوابت، على غرار ما هو سائد في أي مجال ثقافي آخر، في العالم بأسره، ولا يمكن الزعم بأن هناك تحكم بالإكراه في تدبير المجال الديني، والاعتراض على ذلك، بمقتضى الخطاب الحقوقي مثلا أو الخطاب الإيديولوجي، كما هو الحال مع خطاب الإسلاميين الذين يطالبون بما يسمى “المقاربة التشاركية” لتدبير الشأن الديني، لأنه في هذه الحالة، من حق الخطاب الإسلامي الداعشي، على سبيل المثال لا الحصر، الحق في تدبير الشأن الديني، أو الظفر بفضاءات مادية وتواصلية من أجل نشر خطابه الديني، والأمر نفسه مع الإيديولوجية المادية، التي لا زال بعض أتباعها يتعاملون مع المسألة الدينية من منظور ماركسي ضيق ومتجاوز، ينهل من القول الماركسي المأثور الذي حاء فيه أن “الدين أفيون الشعوب”.

في هذا السياق إذا، يجب قراءة مهام وأدوار المؤسسات الدينية، من قبيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومهمتها السهر على الأداء المناسب للفاعلين الدينيين في المساجد مثلا، وتدبير ملف الوقف الإسلامي، وتكوين وتأطير الخطاب الديني الموجهة إلى الرأي العام المغربي، ومهام أخرى.

بالنسبة للمجلس العلمي الأعلى، والذي يترأسه الملك شخصيا، لأنه أمير المؤمنين، فلا ننس أنه يتضمن المؤسسة المكلفة بإصدار الفتاوى، أي نحن إزاء مأسسة الفتاوى، حتى لا نترك الساحة للفوضى، وليس صدفة أنهم وحدهم الفاعلون الإسلاميون الذين يملكون قابلية المزايدة على الفتوى، لأن هاجس العقل الإسلامي الحركي، بشكل عام، لا يخرج عن أسلمة المجتمع والنظام والدولة، بل من هؤلاء الفاعلين من لا يعترف بمؤسسة إمارة المؤمنين، بما يفسر حق السلطة في التدخل من أجل ضبط هذا المجال.

هذا المجلس العلمي الأعلى، يضم أعضاء المجالس العلمية المحلية أو الإقليمية، وهي المجالس المكلفة بالتفاعل النظري والعملي مع الطلب على الخطاب الديني في المدن التي تتواجد فيها، من قبيل تنظيم ندوات ومحاضرات ومسابقات وأنشطة وما إلى ذلك، إضافة إلى التفاعل العلمي والتواصلي، عبر إصدار كتب ومجلات وحضور في العالم الرقمي.. إلخ.

بالنسبة للرابطة المحمدية للعلماء، وعلى غرار باقي المؤسسات، فإنها تسهر على تطبيق التوجيهات الملكية في تدبير الشأن الديني، ولكن في سياق تنويع العرض الديني، تشتغل الرابطة على قضايا الثقافة المعرفة أكثر مقارنة مع المجالس العلمية، بما في ذلك بالطبع المجلس العلمي الأعلى، حيث الحضور الأكبر للقضايا الدينية الشرعية والفقهية، وهذا الاشتغال الذي ارتأت التفرغ له الرابطة المحمدية للعلماء، بمقتضى الظهير الملكي، هو الذي يفسر إطلاقها مجموعة من المراكز البحثية التي تشتغل على هذا الحقل البحثي أو غيره (من قبيل المذهب والعقيدة والسلوك، الدراسات القرآنية، السنة النبوية، الصحابة، الدراسات اللغوية والأدبية، قضايا التصوف، التراث الصحراوي، قضايا النساء، قضايا الأطفال، وغيرها من المحاور)

هذا غيض من فيض، لأن التجربة المغربية تعج بالعديد من المؤسسات الدينية، المنخرطة في تفعيل توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين، في تدبير هذا الحقل، ونذكر منها، إضافة إلى ما سلف، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وهي مؤسسة ذات إشعاع ديني إفريقي أساساً، المجلس العلمي المغربي لأوربا، مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدان، معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، ومؤسسات أخرى بالطبع، لا نجد مثيلاً لها في المنطقة.